رجل الدين…/ الشراع 7 تموز 2023

الشراع 7 تموز 2023

منذ وعى الانسان اشكالية الموت كغياب وكإختفاء دائم ،وهو يبحث عمن يطمنّه أن الموت لن يصل اليه وان الأحبّة الذين غابوا ليسوا في حالة سيئة ،وان الخصوم والاعداء ليسوا في حالة جيّدة ،
كان لا بدّ من متطوّع في الجماعة يتّقن فنون التخاطب مع الغيب ،ينقل للاحياء اخبارا عن الموتى فكان الساحر في القبيلة  في البداية ،قبل ان يتطوّر  منطقه وفق تطوّر ذكاء المجموعة واسئلتهم المحرجة مع الزمن باتجاه ظهور رجل دين ثابت في طقوسه ،وثابت في تعاليمه وثابت الرواية في شرح قصص الانسان القديم من الخَلق الى المأساة كالطوفان كعقاب جماعي الى التطهّر من الخطايا.
جنح البعض لفكرة اعتراف المؤمن بخطاياه في الدنيا، لتحذَف من عقاب الآخرة وجنح البعض الآخر نحو تجميل الخطايا بأعمال خيرية او بالتطهّر عبر ممارسة فريضة الحج ،أكانت في القدس ام في مكة او في اي مكان شبيه لنفس المهمة.
كلما عظمت المأساة واشتدت الامراض والحروب  عظمَ الخوف والقلق العارم على الذات وعلى مصيرها  ،وعلى مصير أحبّتها ما يدفع الناس نحو المختص قولا وتراثا وسلوكا وطقوسا في معالجة حكايا القبر والاحتضار والطرق الوردية المؤدية الى الجنّة، وسبل تجنب الجحيم ونارها.
رجل الدين ليس عالما ابدا كما يحب هو تسمية نفسه، وليس مقدّسا ابدا كما يحلو له ان يظهر امام اعين الناس بلباسه المميز وباطلاقه لحيته وبمحاولاته ترتيب كلامه ليبدو ما بين الشعر والموسيقى ونغمة ترتيل الآيات.
رجل الدين سيقف معنا بالصف ينتظر حسابه مثلنا في يوم القيامة.
بعض رجال الدين ليزيد من عظمة نغمة صوته استعان بالموسيقى في المعبد ليطلق جوّا مسرحيا مختصا يأسر القلوب ،بعد استلاب العقول لوقت قصير كاف ان يترك بصمات ارتدادية على النفس الحائرة بأمر حالها ،والمتوترة من خيبات الحياة وهزائمها.
من بيانو الى سكسوفون.
لم يقتنع رجل الدين بدوره داخل المعبد او في صرح بلاط الحاكم بل طمح وتمكن من اقتحام المجتمع المفجوع بالفشل الاقتصادي ،عبر لصوص متمرسين ليقود المجتمع بإسم الاله.
لم يكلفه الاله انما رجل الدين كلّف نفسه.
ظن ويظن بل اعتقد ويؤمن رجل الدين :انّ دوره الهي وان افكاره الهام مباشر من الرب او متلق لرسائل توجيهية عبر الاحلام أو عبر اشارات حياتية يفسرها او يُأوّلها هو وفق برمجته الدماغية الدينية.
ليس رجل الدين بعالم كما يحب ان يسميه الآخرون ،لأن العالم هو من امتلك معرفة العلوم فاستفاد منها وقدّم للبشرية ما ينفعها في حياتها عمليا لا شعريا ولا معنويا ولا وعودا ولا اوهاما.
العالم في الكيمياء او البيوكيمياء هو من وثق اكتشافات علمية مفيدة او صنّع ادوية تعالج امراضا اي نفع الناس تجريبيا في دنياها لا في عالم الغيب.
رجل الدين مهنة عادية جدا كباقي المهن في المجتمع، فمنهم من يتقدّم بجمالية صوته الحزين إن انشد او رتّل او بعلاقاته مع الميسوري الحال الذين يخصصونه بمال اضافي ،او بعلاقاته السياسية التي توكل له مناصبا ادارية.
البعض منهم بارعون في جعل الرجال قبل النساء تبكي عندما يسرد قصة دينية باسلوب بوليودي.
لا بل ان بعضهم يقبل الرشوة كهدية لتسيير امور البعض بما خص الطلاق او الميراث .
رجل الدين مهنة كباقي المهن لا قدسية لها ،فكما هناك اطباء ماهرون يوجد رجال دين ماهرون وكما هناك مهندسون فاشلون يوجد رجال دين غير موفقين في اثبات حضورهم ولا يملكون حججا مقنعة لسائل .
رجل الدين مهنة عادية وكما اصحاب المهن من “الكار”نفسه يغارون او يكرهون او يحاربون بعضهم البعض ،فرجال الدين ايضا يتنازعون السيطرة على المعابد ويتنافسون على قلوب واحيانا جيوب الناس وعلى المناصب.
رجل الدين ليس عالما لأنّ اكتشافاته او اختراعاته غير مسجلة في اية ادارة علمية، وجلّ ما يقوله تكرار لادب ولتراث متوارث عمره من  الاف السنين.
اذكى رجال الدين اولئك الذين يقنعون العباد بوجوب تخصيصهم بالمال ليرضى الرب عنهم كواجب ديني !! والاذكى ان لهؤلاء دائما ابن رجل دين صغير يتابع المسيرة دينيا ليقود مؤسسات ابيه التي  بناها من مال المؤمنين.
اقطاع ديني عائلي يعرف مخاطبة الجمهور ،ويعرف تماما كيف يجعل ملكا في اوروبا ان ياتي الفاتيكان راكعا، او ان يجعل قائدا سياسيا في دولة بحاجة لفتاويه …
رجل الدين مهنة عادية وعندما اصبحت المهنة لا تُغني من جوع في فرنسا صارت الكنائس حاليا بلا رهبان ،وبلا كهنة وبلا خوارنة وبلا قسيسين.
حتى مطران بوردو اتهم وعوقب بتهمة التحرش الجنسي.
ظن المسكين المصاب بالخيبة من كذب ومن دجل ومن نفاق السياسيين والاقتصاديين والتجار ..ان رجل الدين ان استلم السلطة سينشر العدالة وستزدهر احوال الناس لانه يظن ان رجل الدين لا يراوغ.
لكن سمّ المال يجعل حتى من رجل الدين مراوغا كما ملذات الدنيا ان تيسرّت زادت من شهواته.
كل هذا لان رجل الدين انسان عادي بمهنة عادية والقداسة لا تكون الا للربّ وللأنبياء وللكتب السماوية وللصالحين المتفق عليهم بطهارتهم الانسانية كالام تيريزا…
كأرنستو غيفارا-تشي-
والكثيرين الآخرين الذين لا مجال لتعداد اسمائهم …
في ممارسة رجل الدين للسياسة ترهيب خفيّ غير معلن للعباد المواطنين ،الذين يخافون معارضته كي لا يقعوا في خطيئة الاساءة للرب ،لان اغلب المواطنين يعتقدون ان رجل الدين ناطق رسمي باسم الربّ وان علاقة خفية تربطهما..!!
لا طالبان العلمانيين الذين يسيرون بنا باتجاه المثلية المشبوهة حلّ لنا ،بل مصيبة ولا المتدينين المتكلمين بالسياسة الذين مضوا بنا باتجاه البؤس العام حلا لنا.
الحل في الاقتصاد الصحيح بماله الحلال.
لا بد من حل ثالث ينقذنا.
اعرفه انما لن اخبركم اياه.
اجمل رجال الدين من كان مثالا يُحتذى بالاخلاق وبالسيرة الحسنة والذي لا صديق له من السياسيين او التجار الحاكمين والذي لا يتوانى عن قول الحقيقة امام سلطان جائر.
من هنا ومن تحت شجرة كينا محررة في حديقة الصنائع وجالسا على مقعد حجري مضعضع اتابع محاولات الانسان اليائسة للخلاص.
لن ينجو احد.
والله اعلم.
#ابو_ليلى_المهلهل.
#عبدلله_بن_اسد.

مجلة الشراع