الحذر من الإفتاء بغير علم/ بقلم الشيخ أسامة السيد/الشراع
109
الشراع 15 حزيران 2023
الحمد لله وكفى وسلامٌ على عباده الذين اصطفى.
قال الله تعالى في القرآن الكريم:{ولا تَقْفُ ما ليس لك به عِلمٌ إن السمْعَوالبصرَ والفؤادَ كُلُّ أولئك كان عنه مسؤولًا} سورة الإسراء. قال المفسرون:أي لا تقل قولًابغير علم.
وجاء في كتاب “أدب المفتي والمستفتي” للحافظ ابن الصلاح عن أبي حُصينٍ الأسدي قال:”إن أحدكم ليفتي في المسألة ولو وردت على عمر بن الخطاب لجمع لها أهل بدرٍ” معناه لجمعَ لها الذين شهدوا معركة بدر وهم أكابر الصحابة لسؤالهم عنها وذلك لأمانته في العلم، وفي هذا تعليمٌ لنا ليتثبت أحدنا في العلم ولا يتسرعنَّ في الفتوى بغير تثبتفإن من أخطر ما ابتُلينا بهلا سيما في الآونة الأخيرة التصدي للفتوى من أناس ليسوا بأهل لها فيتجرأ أحدهم على الخوض فيما لا يعلم برأيه السقيم فيضل ويُضل. ولو وقف من كان هذا حاله عند حده وقال: لا أدري، لكان خيرًا له ولسلم هو والسائل، فإنه ليس عارًا أن تقول لا أعلم إن سُئلت عما لا تعلم فإنك مسؤول يوم القيامة. فإن أردت النجاة فاحفظ سمعك وبصرك وفؤادك وسائر جوارحك من معصية الله تعالى، وإنما من العيب أن تفتي بغير علم استحياءً من الناس. وإذا ما كان سيد المرسلين محمدٌ صلى الله عليه وسلم وسيد الملائكة جبريل عليه السلام قد قال كلٌ منهما: لا أدري،فلأي شىءٍ يستنكف بعض الناس من قول لا أدري؟! فقد روى الحاكم في المستدرك عن ابن عمر قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسولَ الله أي البقاع خير (يسأل عن خير بقاع الأرض) فقال: لا أدري. فقال: أي البقاع شر (يسأل عن شر البقاع) فقال: لا أدري. فقال: سل ربك. فلما نزل جبريل قالرسول الله صلى الله عليه وسلم: إني سُئلت أي البقاع خيرٌ وأي البقاع شرٌ فقلت: لا أدري. فقال جبريل: وأنا لا أدري حتى أسأل ربي. ثم جاء الجواب بطريق الوحي أن خيرَ البقاع المساجد وشرَّ البقاع الأسواق”. وإنما كانت المساجد خير البقاع لأنها بُنيت لتوحيد الله وتعظيمه وكانت الأسواق شر البقاع لأنه يكثر فيها الغشوالخداع والحلف كذبًا وغير ذلك من المفاسد.
ثقل العلم
فالعجب بعد هذا من أناس كثيرين وعلى اختلاف المستويات يتصدَّرون للفتوى بغير هدًى وتراهم ربما سُئلوا مئات المسائل فلا تجري على ألسنتهم كلمة لا أدري يمنعهم من ذلك الحياء من الناس والله أحقُّ أن يُستحى منه. ولهؤلاء نقول: روى الحافظ ابن عساكر في تاريخه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “من أَفتى بغير علم لعنته ملائكةُ السماء والأرض”.
وجاء في كتاب “آداب الشافعي ومناقبه” لابن أبي حاتم عن الإمام أحمد بن حنبل قال: سمعت محمد بن إدريس (يعني الإمام الشافعي) يقول سمعت مالك بن أنس (يعني الإمام مالكًا) يقول سمعت محمدَ بنَ عَجْلانَ (من أئمة السلف) يقول “إذا أغفل العالِمُ لا أَدري فقد أُصيبتْ مَقاتِلُه” أي هلَكَ.
وفي “اللباب“ لابن عادل أن“سيدنا أبا بكرٍ الصديق سُئل عن معنى الأبِّ في قوله تعالى:{وفاكهةً وأبًّا} فقال: أي سماءٍ تُظلني وأي أرضٍ تُقلُّني إذا قلتُفي كتاب الله ما لا أعلم”.
وفي “تفسير القرطبي“ أن سيدنا عليًّا عليه السلام قال: “وابردَها على الكبد (ثلاث مرات). قالوا: وما ذاك يا أمير المؤمنين. قال: أن يُسأل الرجلُ عما لا يعلم فيقول لا أعلم”. وأخرج الطبراني في “المعجم الأوسط” عن عبد الله بن عمر أنه قال:“العِلمُ ثَلاثةٌ: كتابٌ نَاطِقٌ، وسُنَّةٌ ماضية، ولا أدرِي”. والمرادُ بالكتاب الناطق كتابُ الله الموضح المبيِّن للهدى، والمرادُبالسُّنَّة الماضيةالحديثُ الثابتُعن رسول الله صلى الله عليه وسلم المعمول به، والمراد بقول لا أدري أن يُجيب بذلك حيث لا يعلم أي يتمسك بلا أدري في موضعها. فإن العلم قسمان: قسم ٌ تدريه وقسمٌ لا تدريه فإن جرى الكلام فيما تُجيد الخوض فيه واقتضت المصلحة أن تتكلم كان الكلام عندئذٍ حسنًا، وإن كان غير ذلك فإن السكوت عندئذٍ من ذهب.
وإذا ما كان الأمر هكذا فكيف يتجرَّأ بعض الناس على الفتوى بغير علمٍ وكيف يتمادى بعضهم في الكلام بغير مراقبةٍ لأنفسهم وإذا بحصائد ألسنتهم تورِّطهم فيما لا تُحمد عُقباه، فكم من أناس أرداهم اللسان فهلكوا فإن الفتوى بغير علمٍ إما كبيرةٌ وإما كفرٌ وقد جاء عن بعض الصحابة الكرام: “أجرؤكُم على الفتوى أجرَؤكُم على النار”.
ثم إن من الفوائد المعروفة عند أهل العلم أنهلو سُئِلَ شخصٌ عن ألف مسألة فأجاب إجابة صحيحة عن تسعمائة وتسع وتسعين وأخطأ في واحدة من الألفِ وسُئل ءاخرُ عن ألفمسألة فأجاب عن مائة على الصواب ولم يُجب عن التسعمائة فهذا أَفضلُ من الأول في هذا الأمر.وبالتالي ينبغي للمفتي إن جاءه السائل أن يكون همُّه أنيسلم من الفتوى بغير علم والحكمة أن يعرض نفسه قبل الإجابة على الجنة والنار وينظر كيف يكون خلاصه في الآخرة ثم يجيب لأنه مسؤول يوم القيامة ففي “أدب المفتي والمستفتي” لابن الصلاح: أن الإمام مالكًاسئل في مسئلة فقال: لا أدري. فقيل له إنها مسئلةٌ خفيفةٌ سهلةٌ فغضب وقال:“ليس في العلم شىء خفيف أما سمعتَ قولَه جلّ ثناؤه {إنا سنُلقي عليك قولًا ثقيلًا} سورة المزمل. فالعلم كله ثقيل وبخاصة ما يُسأل عنه يوم القيامة”.وفيه:“عن أبي بكر الأثرَم قال: سمعتُ أحمدَ بنَ حنبل يُستَفتى فيُكثر أن يقول: لا أَدري”. وفيه:“عن الهيثم بن جميل قال: شهدتُمالك بن أنس سُئل عن ثمان وأربعين مسألة فقال في اثنتين وثلاثين منها لا أدري“.وفيه:” أن مالكًا أيضًا كان يُسأل عن خمسين مسألة فلا يُجيب في واحدة”.
هذا والكلام في أحوال الأئمة الصادقين إزاء الفتوى وتوجيهاتهم بحالهم ومقالهم في هذا الخصوص يطول جدًا ويتضمن عبرة بالغة لمن يعتبر ولولا خشية الإطالة لذكرنا كثيرًا من ذلك ولكن في هذا موعظةٌ لمن يخشى الله.