امتزجوا في دم لبنان وجسده! / بقلم حكمة .س. أبو زيد/الشراع

الشراع 10 ايار 2023

حكاية ذياب يونس، الدكتور في الحقوق، المحامي، محافظ البقاع مرتين، الأولى مطالع عهد الرئيس أمين الجميل وقد أصرّ السوريون على مغادرتها في السادس عشر من شباط العام 1984. أما الثانية فكانت في أواخر عهد الرئيس الياس الهراوي الذي كان، في أواسط الثمانينات، من بين “الفاعليات” الزحلية التي تمنت على المحافظ مغادرة المدينة والبقاع كشرط وضعه السوريون ليوقفوا قصفهم المدمر عروس البقاع.

وخلال “ولايته” الثانية، وكانت بالوكالة  ليش؟ ما حدا بيعرف- استقبل المحافظ وفدا” من الأَعراب المقيمين في سعدنايل، وقد مُنحوا الجنسية اللبنانية بموجب المرسوم الشهير، المشبوه، رقم 5247 تاريخ 20/6/1994 وعليه تواقيع:رئيس الجمهورية الياس الهراوي، رئيس الحكومة رفيق الحريري، وزير الداخليةبشارة مرهج. وبعدما تكلم شيخ سعدنايل باسم الوفد طلب من المحافظ “توجيه كلمة الى هؤلاء اللبنانيين الجدد” فقال ذياب يونس:

” أُرحّب بكم، يا فضيلة الشيخ، فلأنتم ممن وجدوا درباً الى عقلي وقلبي، فكيف لا تنزلون عليّ وعلى السراي على الرحب والسعة في أي حين ولأي مطلبٍ تشاؤون؟

أما أنتم، المجنّسين الجدد، فقد أشرع الوطن لكم أبوابه فادخلوها آمنين مطمئنين، واستحقوا لقبكم الجديد، فليس أمراً عادياً أن يكون المرءُ لبنانياً.

وليس سواءً أن يكون للإنسان وطن أو أن يكون عديم الجنسية.

وليس سواءً أن يكون المرءُ مقيماً فوق أرضه أو أن يكون مشرداً في أوطان الآخرين.

وليس سواءً أن تكونوا عشيرةً أو أن تكونوا مواطنين.

مرسوم التجنيس، بشطحة قلم، جعلكم لبنانيين. ولَكَم أنتم تحتاجون الى تنشئةٍ وإعدادٍ وتوجيهٍ وإرشادٍ ومزجٍ ودمجٍ وخلطٍ كي تصيروا لبنانيين!

مرسوم تجنيسكم صدر، وفي وسعكم بات أن تحملوا تذكرة الهوية اللبنانية، ولكن لَكَم أنتم بعيدون، بَعد، عن صيرورتكم لبنانيين! وهذا الامر الجلل يستدعي منا، ومن فضيلة الشيخ، ومنكم، ومن الهيئات الاهلية والمنظمات غير الحكومية الجهد الدؤوب، والسهر المتواصل، والعمل الدائم للاضطلاع بمهمة التأهيل والتثقيف والتمدين والتحضير وصولا” بكم الى الانخراط والانتظام.

فعلى عاتقكم، يا فضيلة الشيخ، أن تُرسّخوا في نفوس أبنائنا وبناتنا المجنسين مكارم الاخلاق، وتنشروا مبادئ الدين الحنيف وفقاً لما نطق به الكتاب العزيز، والرسول، والأئمة، وبخاصة، الامام عبد الرحمن الاوزاعي، ابن البقاع ولبنان، الذي قام مذهبه على الاعتدال والتساهل والانفتاح، والدعوة الى الاخوة الإنسانية والتعالي على الموروث التاريخي الإسلامي بقوله: لا يجتمع حب عثمان وعلي إلاّ في قلب المسلم الحق.

على عاتقكم، يا فضيلة الشيخ، أن تُلَبنِنوا الإسلام السَّمحَ فتزرعوا في نفوس بناتنا وأبنائنا المجنسين إجلال القرآن الكريم وتوقيره المسيح بوصفه أنه روح الله وكلمته، واعتبارِه أمه مريم بنت عمران أنها سيدة نساء العالمين،واحتسابه المسيحيين أنهم أقرب الناس مودّة الى المسلمين.

على عاتقكم، يا فضيلة الشيخ، أن تُخرجوا أبنائنا المجنسين من اعتزالهم أو عزلهم فتشجعوهم وتساعدوهم على الامتزاج بمواطنيهم في السكن بحيث يَخرجون أو تُخرِجونهم بالحسنى والاقناع مما يشبه المعازل والمحاجر والغيتوات، وتسهّلوا لهم التزاوج فيما بينهم وبين جوارهم، وتحثّوهم على مشاركتكم أعمالكم في المعمل والمصنع، وتحملوهم على إلحاق بنيهم وبناتهم بالمدارس والأندية والجمعيات والأحزاب المختلفة فيتأمن لهم، بذلك، مناخ للدمج مؤاتٍ.

على عاتقكم، يا فضيلة الشيخ، أن ترحَبوا بأبنائكم وبناتكم المجنسين صدوراً، وتفسحوا لهم في مجالسكم أماكن، وتشاركوهم سرّاءهم والضراء، وتتداولوا وإيّاهم شؤون البلدة والبلاد كشركاء كاملين، ولو كنتم القدوة وكانوا المقتدين، ولو كنتم المعلِّمين وكانوا المتعلّمين: حقوقكم وحقوقهم واحدة، إلّا أن موجبتاكم أكثر وأخطر.

على عاتقكم، يا فضيلة الشيخ، أن تحوّلوا الغريب قريباً، فيتدرّج على يد الأصيلين الطارئون، ويتقدّم في خطى السابقين اللاحقون، فتتدانى لهجتهم ولهجتكم، وتتشابه عاداتهم وعاداتكم، وتتقارب تقاليدهم وتقاليدكم، وتتجانس مفاهيمهم ومفاهيمكم، ويتم، عندئذٍ، الانسجام الاجتماعي، ويتوفّر التماثُل الإنساني في الفكر والعمل بين المواطنين.

فضيلة الشيخ،

أضعف الايمان أن يكون لأبناء الوطن لغة واحدة، ولو اختلفت لهجاتُها. فليس كاللغة ما يجمع، وليس كاللسان مُوحّد. ولا يتكلم لُغتك من يستعمل حروفها وقواعدها دون أن يُضمّنها فلسفتك وعاطفتك، ويُحمّلها همومك وطموحك، ويستخدمها لبسط مفاهيمك وللتعبير عن أعمقِ مشاعرك والاحاسيس.

لا يُفهَمَنَّ من كلامي هذا أنني من دُعاة الصَهر والتذويب. إنما أنا ممن يؤمنون بالتثاقُف والتلاقُح والتلاقي بين عناصر الامة فتزداد غِنى بازدياد تنوّعها، وقد قيل إن لبنان مُفرَدٌ لأنه جَمعٌ. أَجَل، من أجلِ لبنان متنوع أدعو وأعمل.

فضيلة الشيخ،

إن الدول الضعيفة، والمتفككة، والمتهافتة، والمرشحة للانهيار والانفجار، هي تلك التي تخلع جنسيتها على أفراد وأقوام لا يستحقونها اطلاقاً ـ أو تمنح جنسيتها مستحقين لها قبلما أو دونما التأكد من أهليتهم أو تأهيلهم عبرمحاضراتٍ وندواتٍ ولقاءاتٍ وأماثيل في دستور البلاد وشرائعها ومؤسساتها ومبادئها الفكرية ونظامها الاجتماعي والسياسي...

وقال: ” امتزجوا، يا اخواني الجُدد، في دم لبنان وجسده، وصيروا واحدا” به وفيه وله، وتقمّصوا الجوهر اللبناني، واهتدوا الى الحقيقة اللبنانية، فهي فُضلى الصِّيَغ وأسمى الفلسفات.

احموا هذا اللبنان الذي كان لكم ملجأً وملاذاً قبل أن يصير وطناً. وتخلَّوا عن كل نزعة أو هوى أو ميل أو حنين لسواه. وأًصِمُّوا الآذان عن أصوات تأتيكم من خارج حدود وطنكم، بل من دخائلكم الانانية والفئوية. واحترموا قوانين الوطن فهي خشبة خلاص لكم ودرعٌ ونبراسٌ...

لله درك يا ذياب يونس محاضراً بإنسانية الانسان ومفاخراً بلبنانيتك الصافية النقية ومقدّماً المثل كيف تكون الشجاعة وكيف تُقال الحقيقة وكيف يمارس المسؤول دوره في المجتمع ومع الناس الذين هو مسؤول عنهم. ذياب يونس: لبنان المريض، المتهالك، المهدد بالتفكك والانحلال ينده الذين مثلك فلبوا نداءه وتقدموا صفوف المجندين لإنقاذه.

 حكمة .س. أبو زيد

صحافي وكاتب سياسي

 

مجلة الشراع