حمزة بن عبد المطَّلب… سيد الشهداء/ بقلم الشيخ أسامة السيد/الشراع
104
الشراع 4 ايار 2023
الحمد لله وكفى وسلامٌ على عباده الذين اصطفى.
قال الله تعالى في القرآن الكريم:{من المؤمنين رجالٌ صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدَّلوا تبديلًا} سورة الأحزاب.
ليس يخفى على الدَّارسين والباحثين ما زخر به تاريخ أمتنا الإسلامية المجيدةمن أعلامٍ عظامٍ يعتريك العجب عند قراءة سيرتهم من مبلغ جلالتهم، ومن هؤلاء الكبار الإمام البطل الضرغام أسد الله سيدنا أبو عُمارة وقيل أبو يعلى حمزة بن عبد المطَّلب بن هاشم بن عبد مناف القرشي الهاشمي الشهيد عمّ النبي صلى الله عليه وسلم وأخوه من الرَّضاعة أرضعتهما ثويبة (مولاة أبي لهب) قبل أن يصير النبي صلى الله عليه وسلم إلى حليمة،وأمه هي هالة بنت أهيب بن عبد مناف،وكان أسنَّ من رسول الله صلى الله عليه وسلم بسنتين.
قصة إسلامه
جاء في كتاب “أُسد الغابة” لابن الأثير الجزري “عن محمد بن إسحاق قال: إن أبا جهلٍ اعترض رسولَ الله صلى الله عليه وسلم فآذاه وشتمه فلم يُكلِّمه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، ومولاةٌ (جاريةٌ) لعبد الله بن جدعان التيمي في مسكن لها فوق الصفا (اسم الموضع المعروف من جبل أبي قُبيس) تسمع ذلك، ثم انصرف (أي أبو جهلٍ) فعَمد إلى نادٍ لقريشٍ عند الكعبة فجلس معهم، ولم يلبث حمزة بن عبد المطَّلب أن أقبل متوشحًا قوسه راجعًا من قنصٍ (صيدٍ) له وكان صاحب قنصٍ يرميه ويخرج له وكان إذا رجع من قنصه لم يرجع إلى أهله حتى يطوف بالكعبة وكان إذا فعل ذلك لم يمرَّ على نادٍ من قريشٍ إلا وقف وسلَّم وتحدث معهم،وكان أعزَّ قريشٍ وأشدها شكيمةً، وكان يومئذٍ مشركًا على دين قومه، فلما مرَّ بمولاة عبد الله بن جدعان قالت له: يا أبا عمارة لو رأيت ما لقي ابنُ أخيك محمد من أبي الحكم (أبو جهل) آنفًا وجدهُ هاهنا فآذاه وشتمه وبلغ منه ما يكره ثم انصرف عنه ولم يُكلِّمه محمد، فاحتمل حمزة الغضب… فخرج سريعًا لا يقف على أحدٍ كما كان يصنع معدًّا لأبي جهلٍ أن يقع به فلمَّا دخل المسجد نظر إليه جالسًا في القوم فأقبل نحوه حتى إذا قام على رأسه رفع القوس فضربه بها ضربةً شجَّه (جرحه) شجَّةً منكرة وقامت رجالٌ من قريشٍ من بني مخزوم (عشيرة أبي جهل) لينصروا أبا جهلٍ فقالوا: ما نراك يا حمزة إلا قد صبأت (تبِعتَ محمدًا). فقال حمزة: ما يمنعني وقد استبان لي منه ذلك أنا أشهد أنه رسول الله وأن الذي يقول الحق. ثم أغلظ لهم في القول فقال أبو جهلٍ: دعُوا أبا عُمارة فإني والله قد سببت ابن أخيه سبًّا قبيحًا.ومع هذه الحادثة أعلنها حمزة غير هيَّابٍ ولا مترددٍ أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا رسول الله وكان إسلامه في السنة الثانية وقيل في السنة السادسة من البعثة الشريفة.
جهاده واستشهاده
كان حمزة عليه السلام صاحب أول لواءٍ عقده النبي صلى الله عليه وسلم وبعثه في سرية إلى أرض جهينة (قبيلة مشهورة) وشهد مع النبي صلى الله عليه وسلم بدرًا وأبلى فيها بلاءً حسنًا وقاتل يومها بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم بسيفين، وكان يُعلَّم في الحرب بريشة نعامة ففي “أُسد الغابة” لابن الأثير الجزري: “قال بعض أسارى بدرٍ: من الرجل المعلَّم بريشة نعامة قيل: حمزة.قال: ذاك فعل بنا الأفاعيل”. وبلاؤه في بدرٍ مشهور ثم شهد أحدًا واستشهد فيها في السنة الثالثة من الهجرة يوم السبت لسبع ليالٍ خلت من شهر شوال.
وقد جاء في خبر استشهاده عند ابن عساكر في “تاريخ دمشق” أن جبير بن مطعم دعا عبدًا له اسمه وحشي وقال له: لم يزل نساؤنا في حزنٍ شديدٍ منذ يوم بدرٍ إلى يومي هذا فإن قتلتَ حمزة فأنت حر. قال وحشي: فخرجتُ مع الناس ولي مزَاريق (جمع مِزْرَاق رماحٌ قصيرة) وكنت أمرُّ بهند بنت عتبة (امرأة نال حمزة من بعض أقاربها يوم بدر) فتقول اشفِ واشتفِ، فلما وردنا أُحُدًا نظرت إلى حمزة يقدم الناس يهذهم (يهذهم ويهدهم يفتك بأعدائه) فكمن له وحشيٌ تحت شجرة ثم رماه برمحٍ له قصيرٍ فدخلت الحربة في ثُنَّته (الثُنَّة ما دون السرة أسفل البطن وفوق العانة) بين وِركيه. ومثَّل الكفار يومها بجسد حمزة وكثيرٍ من الشهداء.
جاء في “المستدرك“ للحاكم عن جابرٍ: “لما رأى النبي صلى الله عليه وسلم حمزةَقتيلًا بكى فلما رأى ما مُثِّل به شَهَق”. وروى البيهقي عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم وقف على حمزة حين استشهد فنظر إليه فلم ينظر إلى شىءٍ قطُّ كان أوجع لقلبه منه ونظر إليه قد مُثِّل به فقال: رحمة الله عليك فإنك كنت ما علمتك إلا فعَّالًا للخيرات وصولًا للرحم“.
قلت: وقد آمن فيما بعد جبير بن مطعم وهندٌ ووحشي وكان لوحشي أثرٌ طيبٌ في حروب الردة في خلافة أبي بكرٍ الصدِّيق فسبحان الله الفعَّال لما يريد.
كرامةٌ وعبرة
أخرج الطبراني في “المعجم الكبير“ عن سيدنا الإمام علي بن أبي طالب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:”سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلَّب”. قلت: والشهداء جمع شهيدٍ قال البابرتي الحنفي في “العناية”: “وسمي الشهيد شهيدًا لأن الملائكة يشهدون موته إكرامًا له فكان مشهودًا، وقيل لأنه مشهودٌ له بالجنة،وقيل لأنه حيٌ عند الله”. والعندية هنا للتشريف والمعنى شَهِدَت (حضرت) روحه دار السلام الجنة لكرامته على الله، ويؤيد هذا قول الله تعالى في سورة آل عمران:{ولا تحسبنَّ الذين قُتلوا في سبيل الله أمواتًا بل أحياءٌ عند ربهم يُرزقون}.وإذا عُلم هذا فمن الضلال المبين إطلاق اسم الشهيد على غير المؤمن لأن الجنة حرامٌ عليه.
وجاء في “الطبقات“ لابن سعد عن جابر أن معاوية أمر بإجراءعين(ماء) فكتبوا إليه: إنَّا لا نستطيع أن نجريها إلا على قُبور الشهداء فكتب معاوية: انبشوهم.قال جابر: فرأيتهم يُحملون على أعناق الرجال كأنهم نيام وأصابت المِسحاةُ رجلَحمزة بن عبد المطلب فانبعثت دمًا.