الربيع الفرنسي قادم: البلاد على صفيح ساخن.. والغضب الشعبي يتصاعد / فاطمة الزهراء النوري/الشراع

الشراع 4 نيسان 2023

مع اطلالة العشرية الثانية من اللألفية الثانية الميلادية هبت عواصف خريفية بهندسة غربية على بلداننا العربية؛ ادارها بحرفية الصهيوني الفرنسي برنارد هنري ليفي مستفيدا من حالة الغضب والتذمر في الشارع العربي جراء الوضع الاقتصادي المأزوم التي تعيشه البلاد، فرأيناه مع انطلاق شرارة احداث الغضب في تونس في وسط العاصمة بصحبة بعض الناشطين، وكان ينتقل مع انطلاقة شرارة الغضب الى عواصم عربية اخرى، فرأيناه في القاهرة ابان احداث 25 يناير وبعدها انتقل الى بنغازي في ليبيا ثم في طرابلس وهكذا الى أن رأيناه في ريف دمشق مع تصاعد أحداث العنف هناك، وتراجع حضوره بشكل ملحوظ مع هزيمة مشروع الخريف العربي الذي كان يستهدف اشعال حروب أهلية واقتتال في بلداننا بهدف تجزيئها على اسس عرقية ودينية وطائفية وحتى قبلية أو مناطقية.

 

 

وبرنار هنري ليفي لمن لا يعرف؛ اسم لمع مع بداية ما يسمى “الربيع العربي”، وأعتبره كثيرون عراب أو غُراب هذا الخريف، فرنسي يهودي من أصل جزائري، لم يخفي يوما تعاطفه مع الكيان الصهيونية، ودعمه الكامل لالة الحرب الصهيونية في عدواناتها وممارساتها الاستيطانية والفاشية ضد الشعب الفلسطيني، واعتبرته صحيفة ” جيروزاليم بوست” الصهيونية ضمن أكثر 50 يهودي مؤثر في العالم.

 

وبعدما تراجع مشروع نشر الفوضى واشعال الحروب في بلداننا العربية الى درجة بتنا معها نتحدث عن الهزيمة الكاملة للمشروع، هانحن نرى هذا سيناريو الغضب المشوب بالعنف ينتقل الى اوروبا، على اثر الازمة الاقتصادية الخانقة التي خلفتها الحرب الروسية الاوكرانية والتي وضعت خلالها اوربا كل ثقلها خلف اوكرانيا.

 

لقد بدأت مؤشرات الغضب الشعبي بقوة في فرنسا حيث طالبت الجماهير الغاضبة من حكومتها الخروج من حلف الناتو والتهديد بالاضراب العام وشل حركة النقل وقطاع الكهرباء والمدارس والجامعات، واللافت أن فرنسا التي اعتبرها الكثيرين بأنها وعقب ثورتها الام أضحت نموذج للحرية والمساواة، قامت بقمع المظاهرات بعنف مفرط ضاربةً بعرض الحائط بحقوق الانسان بالتعبير والتجمهر عبر اشتباكات دموية حرص الاعلام الغربي على غض النظر عنها في تجاهل فاضح لدور الصحافة في نقل الوقائع بعين محايده لما فيه صالح الشعوب ودعم حقوقها في التظاهر والرفض لسياسات حكوماتها الغربية التابعة للقرار الامريكي .

 

إن الاحداث التي تجري في فرنسا تشبه بدرجة ما الاحداث التي جرت في عشرية ما سمي بالربيع العربي بدعم فرنسي وغربي واضح، والكثير من المحللين يرون أن شرارة الربيع الفرنسي ستجتاح معظم العواصم الاوروبية التي أصبحت شعوبها تعاني من ازمات اقتصادية حادة جراء التضخم الحاد الذي ادى الى ارتفاع ملموس في أسعار الطاقة والمواد الغذائية فضلا عن البطالة ، وهذا سيسهم في اتساع حجم الغضب بين الشعوب الغربية التي اعتادت على الرفاهية وانسياب الحياة الكريمة، ولم تعتد مطالبة حكوماتها بترشيد الاستهلاك وشد الاحزمة والصبر وتحمل برد الشتاء القارص.

 

وجاء ماكرون بمشروع اصلاح نظام التقاعد ليزيد الطين بلة كما يقال، ويوسع من شرارة الاحتجاجات، وأي متابع للتاريخ سيدرك أن فرنسا، كانت دائما مختبراً للتحوّلات الكبرى في الغرب، بدءاً من ثورته الكبرى التي استمرت على مدى عقد من الزمان (1789– 1799)، مروراً بأحداثمايو/ أيار (1968) والتي استمرت نحو سبعة أسابيع تخللتها مظاهرات واضطرابات واعتصامات في الجامعات والمصانع ادت في ذروتها الى توقف حركة الاقتصاد الفرنسي، وليس انتهاءا بحركة السترات الصفراء (2018). وفيما كان يُتوقع أن يؤدّي تصويت الجمعية الوطنية على مشروع القانون القاضي برفع سن التقاعد من 62 إلى 64 عاماً، إلى خفوت حركة الاحتجاجات وتسليم الشارع الفرنسي بالأمر الواقع، تتواصل التظاهرات في عدد من المدن الفرنسية بشكلٍ قد يُحدث ارتجاجاً لا تتحمّله الدولة والمجتمع الفرنسيان، في ظل تردّي الوضعين الاجتماعي والمعيشي، بسبب تداعيات الجائحة والحرب الروسية الأوكرانية وارتفاع معدّل التضخّم وزيادة الأسعار.

إن اتساع قاعدة الرافضين لمشروع إصلاح نظام التقاعد يشكل تحدّياً مصيرياً للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، ولا سيما أنه استند في تمرير المشروع إلى الصلاحيات التي يمنحها له الدستور، بدل أن يطرحه للنقاش العمومي في أفق التوصّل إلى توافق مجتمعي واسع. ويمكن القول إن تفضيل ماكرون القنوات المؤسسية والقانونية لتمرير مشروعه رسّخ صورته رئيساً أتى إلى قصر الإليزيه فقط ليخدم مصالح دوائر الرأسمال والأعمال والمصارف، من دون أن يكترث لمعاناة الطبقة الوسطى التي تشكّل عصب الاستقرار الاجتماعي، ما يعني أن الفجوة ستزداد في الاتساع بين الحكومة والاحزاب والنخب السياسية من جانب والرأي العام من الجانب الأخر، ما يعيد طرح أسئلة الديمقراطية التمثيلية والاحزاب والرأي العام في فرنسا وغيرها من الدول الاوروبية

إن تصويت البرلمان الفرنسي على مشروع قانون إصلاح نظام التقاعد يكشف عن صعود ما يمكن اعتباره ”الاستبداد المؤسسي” الذي يسخّر المؤسّسات الديمقراطية لتمرير سياساتٍ وقوانين تستهدف المكاسب الاجتماعية التي حققتها الطبقة الوسطى في الغرب. وهي المكاسب التي ساهمت في تحقيق الاستقرار المجتمعي، وجعلت من النموذج الغربي جاذبا للملايين من دول الجنوب ودفعهم للسعي للهجرة إلى أوروبا.

إن المواجهة الخشنة من قبل قوات الامن للمحتجين ومنعهم من التظاهر والتعبير عن رفضهم المشروع، واتساعُ رقعة الاحتجاجات، وارتباكُ الرئيس والحكومة في التعاطي مع الأزمة وتداعياتها، قد يسهم في تشكل بدايةً لربيعٍ فرنسيٍّ قادمٍ. وما أورده استطلاعُ رأيٍ بشأن تطلع ثلثي الفرنسيين لإسقاط الحكومة يتجاوز مشكلة إصلاح نظام التقاعد، نحو معارضة النظام الاجتماعي القائم الذي يحابي الأغنياء على حساب الطبقتين الوسطى والفقيرة

أنّ الإصلاح الجذري لأنظمة التقاعد يتطلب تدابير ستؤدّي، في حال إقرارها، إلى الإجهاز على هذه الأنظمة وتفكيكها. وهو ما يعني أنّ قبول الفرنسيين، وغيرهم من شعوب أوروبا، ما يُعرض عليهم من خططٍ مرحلية لإصلاح هذه الأنظمة سينتهي بتنازلاتٍ مؤلمةٍ على المدى البعيد، قد تكون سبباً في انفجارات اجتماعية واسعة يصعُب التكهن بمآلاتها. وإذا كانت أنظمة التقاعد، في عدد من الدول، تتعرّض لضغوط متنامية بسبب ارتفاع معدّلات الشيخوخة وتزايد نسب التضخّم وتردّي الوضعين الاجتماعي والمعيشي، فإنها تُعدُّ، في الوقت ذاته، أحدَ العناوين العريضة لأزمة الرأسمالية الجديدة وفشلها في حلِّ تناقضات العولمة خلال العقدين المنصرمين وايجاد حلولٍ تحمي المجتمعات من خطر التصدّع.

ان المحللين يرون أن أزمة نظام التقاعد ستُفضي إلى إطلاق شرارة الربيع الفرنسي وخلط الأوراق أمام الرئيس ماكرون. لانها ستتضاعف من الأزمة سياسية ومجتمعية عميقة التي تواجهها فرنسا، خصوصاً بعد فشل التصويت على سحب الثقة من الحكومة، وغياب أفق لتسويةٍ بين الحكومة والمعارضة والنقابات والشارع

مجلة ابشراع