رمضان شهر تهذيب النفس/ بقلم الشيخ أسامة السيد/الشراع
70
الشراع 16 اذار 2023
الحمد لله وكفى وسلامٌ على عباده الذين اصطفى.
قال الله تعالى في القرآن الكريم:{شهر رمضان الذي أنزل فيه القرءان هدًى للناس وبيناتٍ من الهدى والفُرقان} سورة البقرة.
كثيرًا ما تضيع الأيام والليالي في رمضان وفي غير رمضان من كثيرٍ من الناس لأنهم لم يُحسنوا الاستعداد لها فلا يشعرون بحلاوة الصيام ولا بخشوع القيام،بل كم من أناسٍ ينتظرون لحظات الإفطار بفارغ الصبر لتوقان أنفسهم إلى الطعام والشراب، وكم من أناسٍ يقضون أغلب أوقات نهار رمضان بالنوم كي لا يشعر أحدهم بمرارة الجوع وحرقة العطش ثم يُمضون الليل في السهر الذي لا خير فيه أو في معصية الله تعالى، وهؤلاء أنفسهم يعرفون فضل الوقت الذي هم فيه وشرف زمان الشهر الذي يعيشون، وأن لحظات رمضان غالية ورأس مال الإنسان عُمُرهُ.ولا ينبغي للمسلم أن يدعَ هذا الزمان الثمين يضيع من بين يديه، ولا يفرِّطالناس في شىءٍ يجهلون قدره ولكنَّ أكثر الناس في عجزٍ عن مخالفة أنفسهم كما ينبغي. والكيِّس هو من استعد لهذا الشهر الكريم بأن شمَّر عن ساق الجد فاجتهد في اغتنام النهار والليل بالعمل الصَّالح لا بالتفنن بلذيذ المآكل والمشارب فإنه بحسب ابن آدم لقيماتٍ يُقمن صلبَه ويكفيه ما يسد به رمقه، أما إن انسلخ الشهر الكريم وهو مقيمٌ على غفلته ولم يزدد من رضا الله قُربًا فيا ضيعان الساعات والأنفاس.
ألا فلنفكر قليلًا بتدبرٍ واعتبارٍ ماذا لو لم نُدرك رمضان القابل وكنا في مثل هذه الأيام من السنة القادمة تحت أطباق الثرى وقد تركنا الأهل والمال والولد وصرنا من سعة القصور إلى ضيق القبور؟
ماذا لو كان رمضان هذا هو آخر رمضانٍ يمرُّ علينا بل ماذا لو لم ندرك كل رمضان وكنَّا صبيحة العيد من الذين يُزارون في الضريح؟
ألا يستدعي تفكرك في هذا أن تحمل نفسك في هذا الشهر على الاستقامة وأن يكون رمضان محطةً للتزود بالتقوى والعمل الصَّالح وأن تستمر على ذلك بعد تولِّي رمضان؟ بلى، وإن زرع مثل هذه الفكرة في النفس يُنبت في القلب الخوف والخشية من الله تعالى وتكون ثمرته بلا شكٍ دافعًا قويًا للعمل بما يحبه الله ويرضاه.
رمضان موسم خيرٍ وفرصة عُمُرٍ وكم في العمر من فُرصٍ تتوالى ومنحٍ تتعاقب بل إن العُمُر أصلًا فرصةٌ فانظر كيف تتفلَّت منك الفُرص فأصلح من شأنك فقد جاء في كتاب “الإحياء“ للغزالي عن الصحابي الجليل أبي ذرٍ الغِفاري أنه قال: “ألا أُخبركم بيوم فقري يوم أوضع في قبري”. فإذا ما كان أبو ذرٍّ يُحاسب نفسه بمثل هذا الكلام فماذا يقول الغافل حقيقةً لنفسه وكيف يرضى بالتفريط في هذا الشهر العظيم؟
نعم يمرُّ رمضان المبارك هذه السنة وحال الدنيا في تغيُّرٍ واختلافٍ وفي ذلك كله حكمةٌ يعلمها الله الذي لا يُسأل عمَّا يفعل، فكم من قريبٍ وعزيزٍ من الآباء أو الإخوان والأحباب كانوا معنا في العام الماضي وهم الآن في قبورهم كأنهم ما عاشوا ولا ساروا ولا ناموا ولا ضحكوا فقد اندرست آثارهم ولم يبق إلا ذكرهم،بل أين منهم من جاع وأين منهم من شبع كأنه لا جاع من جاع ولا شبع من شبع.وها نحن نعيش شدةً بعد شدةٍ وكربًا بعد كربٍ وليس هذا كله بغريبٍ عما هو معتادٌ من أحوال الدنيا.
اغتنم رمضان
فيا من أدركت رمضان وأظلك خيره وأنت تعرف فضله ولا تعرف كم بقي من عُمرك اغتنم هذا الموسم المبارك قبل أن تندم على تقصيرك فأخلص فيه الصيام والقيام وتدارك ما فاتك فيما مضى بكثرة الخيرات والإقبال على مجالس العلم لتعرف كيف تكون تأدية العبادات على وجهها، ووطِّد قلبك على تهذيب نفسك لتصوم عن المنكرات والفواحش من كذبٍ وغيبةٍ ونميمةٍ وبُهتانٍ وقول زورٍوظلمٍ وكن قائدًا لها إلى التوبة والإحسان وبذل المعروف مع من يعرفه لك ومن لا يعرفه ومد يد العون إلى الفقراء والمحتاجين وما أكثرهم في أيَّامنا! وتذكَّر ما أخرجه البخاري عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “من لم يدع قولَالزور والعملَ به والجهلَ فليس لله حاجةٌ في أن يدع طعامه وشرابه” معناه لا ثواب له في هذا الصوم. وتذكَّر أيضًا ما رواه البخاري ومسلم عن أبي سعيدٍ الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ما من عبدٍ يصوم يومًا في سبيل الله إلا بَاعدَ الله بذلك اليوم وجهَه عن النار سبعين خريفًا” وقوله:“باعد الله وجهه عن النار سبعين خريفًا“ مبالغةٌ في الإخبار عن البعد عنها والمعافاة منها،والخريفُ يُعبَّر به عن السنة. وليكن كذلك قوله صلى الله عليه وسلمفيما رواه عنه أبو هريرة: “من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غُفر له ما تقدم من ذنبه” متفقٌ عليه حافزًا لك لاغتنام هذا الشهر،ومعنى “إيمانًا“ تصديقًا بأن صومه حقٌ مع التصديق بما ورد فيه من الثواب، ومعنى “احتسابًا“ طلبًا للأجر من الله وذلك بأن يُخلص الصوم فيه لله وحده، فمن كان هذا حاله غفر الله له. قال النووي في “شرح صحيح مسلم”: “المعروف عند الفقهاء أن هذا مختصٌ بغفران الصغائر دون الكبائر”.
فما أعظم نعمة الله علينا بحلول شهر رمضان وما أبلغ فضل الله علينا بأن جعل هذا الشهر ذخرًا للمؤمنين، فرمضان مرقاةٌ للمعالي والدرجات الرفيعة وأبواب الطاعات فيه أكثر من أن تُحصى ولكنه مع ذلك كغيره من الشهور في سرعة أيامه وتولِّي لياليه،فجدّد العزمَ في شهر النور ودع عنك الكسل والفتور وهذِّب نفسك بالآداب الإسلامية والأخلاق المحمدية وابدأ مسيرة الإصلاح من تقويم نفسك ليكون تأثيرك بعد ذلك في غيرك أقوى،فعن أبي يعلى شدَّاد بن أوسٍ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “الكيِّس (العاقل) من دان نفسه (حاسب نفسه) وعمل لما بعد الموت والعاجز من أتبَع نفسه هواها وتمنَّى على الله” رواه الترمذي. ومن عجز عن قهر نفسه في شهرٍ قال الله تعالى فيه: {أيَّامًا معدوداتٍ} سورة البقرةكيف سيقهرها طيلة العمر.