الشهيد الشيخ نزار حلبي… رجلٌ بألف/ بقلم الشيخ أسامة السيد/الشراع
الشراع 19 آب 2022
الحمد لله وكفى وسلامٌ على عباده الذين اصطفى.
قال الله تعالى في القرآن الكريم:
{من المؤمنين رجالٌ صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدَّلوا تبديلا} سورة الأحزاب.
تعرفتُ على الشهيد الشيخ نزار حلبي قبل نحو خمسين عامًا وبالتحديد عام1975م في القاهرة وكنت ألتقيه مع الشيخ أحمد اللدن في مكان إقامتهما وكانا في السنة الأخيرة في كلية الشريعة وكنت في السنة الأخيرة في كلية اللغة العربية،وتوطَّدت العلاقة معهما إلى أن توفِّيا رحمهما الله تعالى.
ومن خلال معرفتي بهذا الرجل المبارك الشيخ نزار حلبي أقول:
لئن كانت الأمم والشعوب على مر الأزمان تتباهى بقادتها ورجالها وعظمائها الذين يتعاقبون على ريادتها فتحتفي بذكرهم وتُبرز مآثرهم للناس فسماحة الشيخ الشهيد نزار حلبي كان وما يزال من أولئك العظماء الذين عزَّ نظيرهم في زمنٍ انقلبت فيه الموازين وغدت نظرة أكثر الناس إلى مقوِّمات العظمة معكوسةً، وتبقى العبرة بما يراه أهل الفضل وإن قلّوا لا بما يراه الرَّعاع.
وفي ذكرى رحيل قائدنا الكبير رحمه الله ما أحوجنا أن نُميط اللثام عن إشراقة وجهه التي ما زالت تشع في ضمائر محبيه لتشع أيضًا في ضمائر من لم يعرفه وأن نكشف عن مكنونات نفائسه المنيرة كالشمس التي أشرقت في بيروت وامتد نورها إلى أرجاء البلاد فأرعبت خفافيش الليل ودحرتهم إلى أوكارهم فتحالفت الشياطين مع الشياطين وامتدت يد الغدر لتنال من ذلك الجسد الطاهر، فكانت تلك الفاجعة التي أصابت لبنان والأمة في الصميم صبيحة يوم الخميس السادس من شهر ربيعٍ الآخر سنة 1416 ه الموافق للواحد والثلاثين من شهر آب من عام 1995م، وغدا هذا التاريخ مناسبةً نستذكر فيها شيخًا ورعًا صدح بالحق وواجه الباطل بجرأةٍ قلّ نظيرها في زمن التآمر والتخاذل ونستذكر ما تحلَّى به هذا الشيخ من عقلٍ وقَّادٍ وشخصيةٍ فذّةٍ جمعت في طيَّاتها الحكمة والإقدام.
لقد ارتقى الشيخ في ميدان الشرف شهيدًا وسقط قاتلوه في مستنقع العار بين حبائل إبليس وجنود إبليس، ولا زال دم الشيخ النازف تحت رصاص الحاقدين شعلةً تتقد في أفئدة أحبابه ومناصريه للتصدي بالعلم والدليل وبناء المؤسسات المتنوعة لأولئك المجرمين الذين لا يرون سوى رأيهم والذين يكفِّرون كل من سواهم ولا يقيمون لعلماء الأمة وزنًا بل ولا يتورَّعون عن النيل من رموز الأمة العلمية والقياديةإن بالتصفية الجسدية أو بالشتم والسباب والطعن بمن مضوا، فلا يسلم أعلام الأمة الأحياء من إجرامهم ولا أعلامها الراحلون من ألسنَةٍ حدادٍ فهم يشاكلون من قال الله تعالى فيهم:
{وإذا قيل لهم لا تُفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون ألآ إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون} سورة البقرة.
لم يكن سماحة الشيخ حلبي أول من امتدت إليه يد الغدر وكم من عظماء في التاريخ زلزلت عظمتهم عروش الطغاة فكان الرد إرهابًا بغيضًا وظلمًا قبيحًا فقد ملأ الفاروق عمر بن الخطَّاب الأرجاء عدلًا ومع ذلك ظهر في الناس من سخط عليه وطعنه بخنجر لؤمه المسموم، وكذلك ظهر في الناس من أغاظه نهج الشيخ حلبيالعلمي الذي كشف زيفه وأبدى عَوَره وأغاظه عمله المؤسساتي فأقدم على جريمته المروِّعة.
ومضات من حياته
ولمن لم يعرف الشيخ نزارًا حلبي من قبل نقدم له ما يلي ليعرفه الآن:
ولد الشيخ نزار بن رشيد حلبي في بيروت عام 1372ه – 1952م والدته عائشة شُقير ويتصل نسبه إلى الشيخ الطبيب ابن النفيس الحلبي ويتصل نسب الشيخ ابن النفيس إلى آل بيت النبوة وبالتالي: فالشيخ من الأشراف من أحفاد أهل البيت، اجتمع منذ نعومة أظفاره بالعلاَّمة الحافظ الشيخ عبد الله بن محمدٍ الهرري الحبشي فكان تحت أنظاره ورعايته فتخلَّق بأخلاقه وسار على نهجه وتلقَّى عليه العلم وقرأ عليه عدةَ كتبٍ ومتونٍ كما وأجازه محدث الديار المغربية الشيخ عبد الله الصدِّيق الغماري إجازةً عامةً بكل مروياته ومؤلفاته.
وتخرَّج من كلية الشريعة والقانون في أزهر مصر سنة 1975م فغدا يقيم في بيروت الدروس الدينية والمحاضرات النافعة ويهتم بأمور الناس وقضاء حوائجهم ويسعى من خلال موقعه ولقاءاته مع أصحاب المسؤولية إلى تعزيز حماية الوطن من الحركات المتطرفة، فكان بحكمته ونفاذ بصيرته أول من نبَّه إلى ذلك في وطنٍ لم يكد يتعافى من جراح الحرب الأهلية حتى أطل عليه شبح الإرهاب البغيض والتكفير العشوائي المتمثل في حركاتٍ متطرفةٍ تدَّعي العمل الإسلامي.
وتولَّى الشيخ نزار حلبي مناصب عديدةً منها الإمامة والخطابة والتدريس في مسجد برج أبي حيدر في بيروت وتدريس الفقه والتوحيد في عددٍ من المدارس اللبنانية وعضوية اتحاد العلماء في لبنان وهو الرئيس السابق لرابطة الشباب المسلم في لبنان.
وفي الأول من أيلول سنة 1982م تولى الشيخ رئاسة جمعية المشاريع الخيرية الإسلامية فعمل على إعادة تنظيمها والانطلاق بها لتحقق الجمعية ما أنشأت لأجله وقد كانت هذه الجمعية تأسست سنة 1930م وكانت أهدافها في الأصل تدور في فلك مساعدة الفقراء والمحتاجين وتعليم الطلاب وإعانة أبناء السبيل، وقد قامت هذه الجمعية عند تأسيسها ببعض النشاطات الخيرية ضمن هذا الإطار وتناوب على رئاستها منذ العام 1930 وحتى العام 1982 عدة رؤساء من بينهم رئيس الوزراء السابق الحاج حسين العويني والشيخ أحمد العجوز.
واستطاع الشيخ نزار بمزاياهالعديدة وبحسن تدبيره أن ينقل الجمعية من مستوى بيروت إلى مستوى الوطن بل إلى مستوى العالمية، وأضحت تلك الجمعية رائدةً في مجال العلم والتربية والثقافة المستنيرة والعمل التطوعي الاجتماعي وتربية الأجيال وكل ما من شأنه رفعة الأمة وصيانة البلاد والعباد من الآفات المهلكة والمخاطر الهدَّامة، وأضحت لها مؤسساتٌفي محافظات الوطن والعديد من دول الاغتراب.
وانضوى تحت راية هذه الجمعية طلاب ومريدو وأحباب العلاَّمة الشيخ عبد الله الهرري المعروف بالحبشي وهو عالمٌ إمام عُرف بسعة العلوم وقوة الحافظة والورع الشديد ونبذ التطرُّف والغلو في الدين وقد شهد له كثير من علماء عصره بذلك. وأضحى الشيخ نزار حلبي وإخوانه المشاريعيون مشاعل هدىً يفتحون القلوب الغُلف والآذان الصمَّ والأعين العمي بالحجة والبرهان.
إزاء كل تلك النجاحات التي تألق بها الشيخ حلبي ونظرًا لجرأته في إحقاق الحق وإبطال الباطل وسعيه الدؤوب في تحقيق المصلحة العامة العليا التي تهم الوطن والأمة ونظرًا لأن الحاقدين من أصحاب الفرق الملتوية لم يستطيعوا نصرة فكرهم الهدام بالدليل لأن الدليل قد قام على خلاف ما هم عليه أصلًا تزعزعت أركانهم وتزلزل بنيانهم فأفتوا بقتل الشيخ وقاموا بتنفيذ تلك الفتوى في التاريخ المتقدم ظنًا منهم أن ذلك يكون سببًا في تقويض مسيرة الشيخ الراحل وجمعيته المباركة ولكن هيهات فقد أسس الشيخ الراحل جمعيةً بنى قواعدها على أساس الاستمرارية بالنهج لا الانهيار بموت الأشخاص، وما زال النهج مستمرًا مع خلفه الشيخ حسام قراقيره رئيس جمعية المشاريع الخيرية الإسلامية وما زالت الجمعية شوكةً في عيون المرجفين ودوحةً ظليلةً للصادقين.
عظمةٌ وإباء
ذات يوم سألني رجل أكاديمي في عزاء الشيخ نزار حلبي:
ما هي آثار ومؤلفات الشيخ نزار؟
فقلت له:
لم يكن له مؤلفاتٌ لأنه قضى حياته في تأليف قلوب الرجال.
وفي الواقع كان هذا همُّه تأليف القلوب، وقد واكبتُه وعملت معه من أواسط الثمانينات إلى يوم استشهاده فكان أعجوبةً في حاله ومقاله.
وقد كنت معه مرةً في احتفالٍ لجمعِ التبرعات في بعلبك لبناء ثانوية الصلاح الإسلامية وقام رجلٌ بجمع التبرعات في كيسٍ من قماشٍ وعندما وصل إلى الشيخ نزار دسَّ الشيخ يده في الكيس، وبالعودة إلى عدِّ التبرعات وجدنا ساعة يد الشيخقد تبرَّع بها ولم يكن معه مالٌ سواها.
وفي عام 1987م أتاني موفدٌ من دولة عربية وقال:
بلدي مستعد أن يموِّلكم بما تشاؤون. فقلت له: أرد لك الخبر بعد يومين فذهبت إلى الشيخ نزار حلبي وأخبرته فقال:
لكن بلا قيودٍ ولا شروط. فأخبرت الموفد فذهب ولم يعد.
رحم الله شيخنا نزارًا حلبي فقد كان رجلًا لماحًا متواضعًا زاهدًا مات ولا يملك بيتًا ولا سيارةً ولا هاتفًا، وكان بحق رجلًا بألف. نسأل الله له الرحمة والمغفرة إنه سميعٌ مجيبٌ الدعاء.