ماهي أوجه الإختلاف بين سقراط وأفلاطون وفيثاغورث / بقلم عبد الهادي محيسن/الشراع

الشراع 31 كانون ثاني 2022

آمن سقراط بالله الذي يسيطر عليه ويرشده سواء السبيل حيث كان يعتقد أن الدين هو في تكريم الضمير النقي للعدالة الإلهية ، وليس في تقديم القرابين وتلاوة الصلوات بالرغم من تلطخ النفس بالخطيئة ، لقد أطلق بعض المفكرون على سقراط صفة النبوة رغم أن الأساطير الإسرائيلية كانت تحصر النبوة ببني إسرائيل وحدهم ، في حين أشار القرآن الى أن الله أرسل في كل أمة من الأمم القديمة نذيرا .
ومن يدرس سيرة هذا المفكر يجد صفات النبوة قد توافرت فيه فقد حدثنا التاريخ عن إخلاصه وإيمانه وانهماكه في أمر الإصلاح الإجتماعي ، وقد وجدنا أن سقراط يقدم الى المحاكمة بتهمة إنكار عبادة أوثان آلهة الإغريق  فحكم عليه بشرب السم القاتل فشربه وهو مطمئن حيث آمن بأنه سينتقل من هذا العالم الفاني الى العالم الباقي ، مات سقراط دون أن يسجل تعاليمه في كتاب ، لكنه ترك بعده دويا هائلا وأخذ الناس يمجدونه ويحيكون حوله الأساطير .
ظهر أفلاطون وكان تلميذ سقراط وشرع يؤلف الكتب ويدعي أنه يسجل فيها تعاليم سقراط ، وكان أفلاطون يختلف عن سقراط في مزاجه وفي تكوين شخصيته ، فكان هذا ديموقراطي المنشأ والعقيدة وكان ذاك أرستقراطيا من أصحاب العبيد فكان سقراط يختلف في تعاليمه الساسية عن أفلاطون ، حيث كان ذو نزعة شعبية فقد كان فقيرا وكان أبوه نحاتا وأمه قابلة وظل فقيرا حتى مات وكان على إتصال دائم بالفقراء ومهتم بهم  .
كان أفلاطون نبيلا ثريا من أصحاب العبيد ويكره العامة ويدعوا الى سحق النظام الديموقراطي الذي كان سائدا في بلاده ، ويبشر بحكم الأقلية من أرباب العقل العالي وكان يردد أحمدُ الإله الذي خلقني إغريقيا لا بربريا ورجلا لا إمرأة ، شيد أفلاطون مدرسة خاصة به تطل على بستان أكاميدوس وسماها أكادمية وأقام فيها معبدا وثنيا وبهذا يختلف عن سقراط الذي كان يعلم الناس في الأسواق وينكر آلهة الإغريق .
كان سقراط دميم الخلقة أصلع الرأس أفطس الأنف غائر العينين أما أفلاطون فكان جميلا أنيقا ويعتقد بأن جمال الخلقة دليل على جمال الخُلق ، انهمك الفلاسفة قبل سقراط وراء الحقائق الكونية التي لاتمس مصالح الناس ويحكى عن طاليس أنه وقع في البئر وهو يمشي ويتطلع الى السماء ويتفكر فيها حيث شغلته عن مشاكل الأرض ، وجاء سقراط فأنزل الفلسفة من السماء الى الأرض داعيا الى البحث في الإنسان ومشاكله فأرجع أفلاطون الفلسفة إلى البحث في السماء مرة أخرى  .
يبدوا أن أفلاطون كان فيثاغوريا أكثر مما كان سقراطيا وحرف مباديء سقراط ليجعلها ملائمة للمذهب الفيثاغورثي حيث كان مشغوفا بهذا المذهب الذي استمد جزءا كبيرا من فلسفته منه ، وكان فيثاغورث من أتباع الديانة الأورفية القديمة والتي لها شعائر غريبة حيث اعتزل الناس والتزم بهذه الشعائر ، فكان من الواجب على الشخص الفيثاغورثي أن يمتنع عن عدة أمورمنها
الإمتناع عن أكل الفول ، والامتناع عن التقاط ما يسقط على الأرض من الأشياء ، وكذلك لمس الديك ، وكسر رغيف الخبز ، وتحريك النار بحديدة ، وأكل الثوم ، والمشي في الطريق العام ، وأكل القلب … وهناك بعض القرائن التي تشير الى وجود ترابط فكري بين تعاليم أفلاطون وتعاليم فيثاغورث .
كان فيثاغورث يحتقر عالم الواقع ويعتبره زائفا وخداعا وقال بأن الإنسان غريب في هذه الدنيا وأن البدن سجن الروح فمن الواجب على الفيلسوف الحقيقي أن يتسامى على الاهتمام بهذا الألم الواطيء .. ويقول البروفسور زيلر إن أفلاطون أسس الأكاديمية على غرار المدرسة الفيثاغورثية فكان أفلاطون يعيش مع تلاميذه سنوات عديدة في جو فلسفي خالص في حين كان سقراط يتجول في الأسواق ويُعلّم العامة .
كان فيثاغورث أول من وضع كلمة فلسفة وقال أنا لست حكيما فإن الحكمة من صفات الآلهة وما أنا إلا فيلسوف ، ومن الغريب أن نجد أفلاطون ينسب هذا القول الى سقراط وذلك نكاية بالسفسطائيين فكلمة سفسطائي في اللغة الإغريقية معناها الحكيم أما كلمة فيلسوف فمعناها محب الحكمة ، وبهذا استطاع أفلاطون أن يصم السوفسطائيين بوصمة الغرور باعتبار أنهم سموا أنفسهم حكماء .
كان فيثاغورث يؤمن بعالم المُثل على منوال ما آمن به أفلاطون من بعد ولكن فيثاغورث وصف المثل بأنها ليست من هذا العالم بل من العالم الآخر ، وجاء أفلاطون فسار في هذا الإتجاه خطوة أبعد حيث جعل المثل أفكارا مطلقة …
كان فيثاغورث رياضيا بارعا ولا تزال النظريات الهندسية المعروفة بإسمه حتى يومنا هذا وكان شديد الصبر والجلد على البحث الرياضي حتى لقب بالحمار ، وقد اتخذ الفيثاغورثيون الرياضيات وسيلة لتحرير النفس أو تنقيتها من أوهام الحس .
وكان أفلاطون مولعا بالرياضيات أيضا .. وقيل أنه كتب على باب الأكادمية العبارة التالية ” لا يدخلها إلا من كان رياضيا ” ولو درسنا منطقه الذي عرف فيما بعد باسم تلميذه أرسطو لوجدناه أقرب الى مفهوم المعادلات الرياضية منه الى مفهوم العلاقات الإجتماعية .
عبد الهادي محيسن … كاتب وباحث.

 

مجلة الشراع