العلمانية.. جهاد في سبيل الدنيا / بقلم عبد الهادي محيسن/الشراع
الشراع 17 كانون ثاني 2022
العلمنة …هذه الجهادية الدنيوية التي لانتردد في أن نقول أنها أحدثت في مسار البشرية إنعطافا بمائة وثمانين درجة فقد تلبست شكل علمنة على مستويات مختلفة ، فمنها العلمانية الدينية التي ظهرت على يد لوثر بكسره إحتكار الكنيسة الكاثوليكية للإيمان الديني ، فقد رد هذا الإيمان الى الناس وأوكل الى عقولهم مهمة تأويل النصوص المقدسة .
وترتب على ذلك نتيجة هامة فالأب صار مسؤول عن التعليم الديني لأولاده ، وصار ملزما أن يتعلم كيف يقرأ النصوص المقدسة بنفسه وهكذا اقترن الإصلاح البروتستانتي بثورة حقيقة على صعيد محو الأمية وتحطيم إحتكار رجال الدين لعملية القراءة والكتابة ، وثانيها العلمنة الثقافية حيث تطورت في القرن السادس عشر أدبيات جديدة ذات نزعة دنوية ، منعتقة من ربقة التصور الديني للعالم .
وهذه الحساسية الأدبية الجديدة تمخضت مع سرفانتس ودينكيشوتته وغيرها من الروايات عن ظهور نوع أدبي جديد ، هو الرواية التي هي بالتعريف فن متمحور حول الإنسان في مصائره الدنيوية ، وثالثها العلمنة اللغوية : فتلك الحساسية الأدبية الجديدة ترجمت أيضا عن نفسها بالتمرد على لغة المقدس التي كانتها اللغة اللاتينية ، وبتكريس اللغات العامية الأوربية ورفعها الى مستوى لغات قومية تُكرس بدورها القطيعة مع وحدة الكنيسة العالمية وإمبراطوريتها المقدسة .
ورابع هذه العلمنة العلمنة الإنسانية : أي علم الإنسانيات وهو الإسم الذي أطلق في سياق العلمنة الثقافية واللغوية على دراسة الآداب اليونانية والرومانية القديمة ، والواقع أن الإنسانيات بهذا المعنى تعادل عملية إحياء حقيقة للثقافة الوثنية للعصور القديمة وهي تمثل بالنسبة للثقافة الدينية المسيحية في القرون الوسطى ما تمثله ثقافة الجاهلية بالنسبة الى الإسلام .
وخامسها العلمنة العقلية : في سياق هذه العودة الى الجاهلية الوثنية أعيد إكتشاف الفلسفة اليونانية التي هي بالتعريف ” التفكير بالعقل في العقل ” ، من حيث أن العقل معطى أول ومطلق ومن خلال هذا المعطى كفت الفلسفة أن تكون خادمة اللاهوت … لتعمل في أمرة العقل ، ومن اللحظة التي باتت فيها سلطة العقل لا تعلو عليها سلطة أخرى بدأ تاريخ جديد للإنسان من حيث أنه الكائن الوحيد الذي يصنع نفسه بنفسه بقوة عقله .
وسادسها العلمنة العلمية : ففي الوقت الذي تغيرت فيه صورة العالم القديم مع اكتشاف القارة الأمريكية في نهاية القرن الخامس عشر ، جاءت الثورة الكوبرنيكية لتسدد طعنة صماء الى الصورة التوراتية بحيث فقدت الأرض حظوتها ولم تعد مركز الكون وغدت مجرد كوكب يدور حول مركزه الشمسي ، وهذه الثورة وجدت تتويجها في الإنقلاب الذي أنجزه داروين في القرن التاسع عشر وأجهز نهائيا على قصة الخلق التوراتية .
وسابعها العلمنة الطبقية : فلأول مرة في التاريخ رأت النور طبقة دنيوية خالصة حصرت جهادها بالأرضيات دون السماويات ، ومحورت فلسفتها حول المادة لا حول الروح وهي الطبقة البرجوازية فقامت على تثوير تقنيات الإنتاج وكذلك العلاقات الإجتماعية ، وأرست شكلا جديدا للحكم يتمثل بالديموقراطية التمثيلية تستند الى مرجعية محورها المواطن فكانت البورجوازية سباقة في رفع شعار العلمانية لكي تستغني بقدر أو بآخر عن خدمات الكنيسة .
وثامنها العلمنة القانونية : ففي نهاية القرن الثامن عشر جاء إعلان حقوق الإنسان والمواطن الصادر عن الجمعية التأسيسية للثورة الفرنسية ، لينقل مبدأ السيادة وحق التشريع من ممثلي الله على الأرض الى الأمة وممثليها في المجلس النيابي ومنذ ذلك الوقت بات التشريع وما يستتبعه من سن للقوانين موضع تطوير وعقلنة دائمين بالإستناد الى مرجعية بشرية خالصة وطبقا لحاجات الزمان والمكان .
وتاسعها العلمانية السياسية : توقيتا مع العلمنة القانونية التي حصرت مبدأ السيادة بالأمة ، واستتباعا للعلمنة اللغوية التي كرست العامية الأوربية لغة قومية ، كان لا بد من تكريس إطار جديد للدولة تمثل في ما سيعرف لاحقا بإسم الدولة الأمة أو الدولة القومية ، التي قدمت الثورة الفرنسية نموذجها الأول قبل أن تعممها في كافة أنحاء أوروبا الغربية والوسطى ، ومبدأ القوميات المعلمنة هذا هو الذي سيحيل الى متحف التاريخ آخرالأمبراطوريات المقدسة ومنها ألمبراطورية البروسية البروتستانتية والأمبراطورية النمساوية الكاثوليكية والأمبراطورية العثمانية الإسلامية السنية وغيرها .
وعاشرها العلمنة الجنسية : فقد تفتقت نظرية التحليل النفسي لسيغموند فرويد عن تحرير مزدوج للحياة الجنسية البشرية من ربقة الجريمة وربقة الخطيئة معا ، فلم يعد أي شكل من اشكال هذه الممارسة يعتبر جريمة يعاقب عليها القانون ، سواء على العلاقات الجنسية خارج مؤسسة الزواج أم على الممارسات الجنسية المثلية وتم بذلك رفع يد الكنيسة عن الحياة الجنسية للإنسان وإقرار مؤسسة الزواج المدني ، وقد تم بالتالي استبعاد مفهوم الخطيئة عن شتى أشكال العلاقات الجنسية .
إن هذه السلسلة من أشكال العلمنة مقترنة بالثورة الصناعية ، هي التي آلت بأوروبا الغربية الى اجتراح مأثرة الحداثة .
عبد الهادي محيسن …. كاتب وباحث .