الفرق بين من يخدم الناس ومن يضحك عليهم / بقلم الشيخ أسامة السيد/الشراع
الشراع 13 كانون ثاني 2022
الحمد لله وكفى وسلامٌ على عباده الذين اصطفى.
قال الله تعالى في القرآن الكريم: {وما ربُّك بِغَافلٍ عمَّا يعملون} سورة الأنعام.
وعن عقبة بن عامر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “سيد القوم خادمهم” رواه ابن عساكر في “تاريخ دمشق”
كم وكم يسعى بعض الناس إلى نيل نوعٍ من أنواع السلطة وحيازة مناصب متقدمة دينيةٍ أو دنيويةٍ وكم يُداري بعضُهم أهلَ ناحيته ليصل من خلالهم إلى ما يصبو إليه ويَعدُهم ويُمنِّيهم ما يُحبون لحاجته إلى مساندتهم إيَّاه فيما هو بصدده وإذا به كأنه شخصٌ آخر بعدما ينال ما يريد ويتنكَّر لمن كان يستجدي رضاهم بالأمس.
ولكنَّ الجديرَ بالمؤمن الصادق إذا جعل الله له ولايةً من نحو رئاسةٍ أو ملكٍ أو وزارةٍ أو مركز دون ذلك أن يتواضع لله تعالى ويهتم لرعاية شؤون الناس وإلا فماذا تعني المناصب؟ وما معنى تولِّي المسؤوليات؟ فإن رأس القوم هو الذي يُرجع إليه في النوائب فيكون موئلًا للمحتاجين فيقوم بأعبائهم وحفظ مصالحهم ومن يخدمهم هكذا هو السيد الحقيقي كما استُفيد من الحديث الشريف لا من يضطهدهم لتحقيق مآرب دنيويةٍ ثم يغلق بابه دونهم ويُصمُّ أذنيه عن أنينهم.
وقديمًا قيل:
الناس للناس من بدوٍ وحاضرةٍ بعضٌ لبعضٍ وإن لم يشعروا خدمُ
السمُّ والدَّسم
وكم نرى من أصحاب نفوذٍ اليوم وعلى مستوياتٍ مختلفة اتخذوا السلطة وسيلةً للثراء وجسرًا للفخر فوق رقاب البسطاء، وربما كان كثيرٌ من هؤلاء الضعفاء في أنفسهم أجدرَ منهم بالمقامات المرموقة وأحسنَ كفاءةً ولكنَّ الدنيا كثيرًا ما تُخفض العالي وترفعُ التُحوت، ولا يعني الوصول إلى سدة مسؤولية ما أنك ناجحٌ حتمًا فكلنا يعرف كيف يصل من يصل إلى تلك المواقع المتقدمة في كثيرٍ من الأحيان، ومن لم ير نفسه في موقعه إن نال بعض مواقع المسؤولية أنه مؤتمنٌ على مصالح الناس راعٍ لحقوقهم وظن أنه فاقهم فاتخذ من زعامته طريقًا لتنفيذ مآربه الخاصة على حساب المصالح العامة ولم يُبالِ بهضم حقوق العامَّة فهو مغرورٌ جدًا وفاشلٌ، وإنما هو كتيسٍ صغيرٍ اختطفه نسرٌ فألقاه في القمة فظن نفسه أميرًا ولم ير نفسه إلا حيث هو ونسي كيف وصل. وحريٌ بهؤلاء أن يتذكروا حقيقة أنفسهم وأن لا يرفع أحدُهم حالَه فوق قدره فالناس ترى وتسمع، وقد جاء في “المجموع” للنووي أن الإمام الشافعي قال: “من سام نفسَه فوق قدرِه ردَّه اللهُ إلى قيمته” أي من أقام نفسَه فوق منزلته يُظهر اللهُ حاله للناس أي يفضحه الله، وكم من فضائح طالت وتطال كثيرًا من أمثال هؤلاء قديمًا وحديثًا بل فاقت رائحة تلك الفضائح رائحة النفايات التي باتت تُغرق البلاد وتتخلل مساكن الناس. وترى بعض هؤلاء مع ما غرقوا فيه وتلطَّخوا به من الأوساخ يُحاضرون في القيم والاستقامة والنزاهة ولا أدري إن كانت السلطة تُصيب بعض أهلها بداء الخَرف فيظن أن كذبه وسوء سيرته وشدة فساده سينطلي ببعض كلماتٍ مزخرفةٍ على الشعوب المنكوبة والرعية المكبوتة. ويا ليت هؤلاء ينظرون جيدًا فيما رواه البخاري عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: “ستحرصون على الإمارة وستكون ندامةً يوم القيامة فنِعم المرضعة وبئست الفاطمة” قال الحافظ ابن حجرٍ في “الفتح” “يدخل فيه الإمارة العظمى وهي الخلافة، والصُّغرى وهي الولاية على بعض البلاد وهذا إخبارٌ منه صلى الله عليه وسلم بالشىء قبل وقوعه فوقع كما أخبر قوله “وستكون ندامةً يوم القيامة” أي لمن لم يعمل فيها بما ينبغي، وقوله “فنعم المرضعة” تشبيهٌ لما ينال صاحب السلطة من المال والجاه ونفاذ الكلمة وتحصيل اللذات الحسيَّة، وقوله “وبئست الفاطمة” أي عند الانفصال عنها بموتٍ أو عزلٍ مثلًا وما يترتب عليها من التبعات في الآخرة لمن لم يُراع الشرع فيها. وقلَّ من طلَّاب المناصب من يعمل فيما آتاه الله بما ينبغي، وقد كان أغلب هؤلاء قديمًا على خلاف جادَّة الصواب والتاريخ يشهد فكيف في أيامنا حيث زادت الفتن وعظُم الخطب واتسع الخَرق على الراقع وأصبح الحليم حيرانًا إذ كثُرت الآراء واختلفت السُبل وانقسم الناس فرقًا عديدةً تتصارع على الدنيا ولا تتوقَّى الدجل والخِداع.
السنون الخدَّاعة
وصرنا إلى ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم فقد روى أحمد عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “إنها ستأتي على الناس سنون خدَّاعة ويصدَّق فيها الكاذب ويُكذَّب فيها الصَّادق ويؤتمن فيها الخائن ويُخوَّن فيها الأمين وينطق فيها الرُّويبضة. قيل: وما الرُّويبضة يا رسول الله. قال: السفيه يتكلم في أمر العامَّة”. ولو نظرنا في كثير من البارزين اليوم لوجدناهم ينطبق عليهم وصفُ الرُّويبضة فكم من سفهاء تسلطوا على رقاب الناس سواء في المواقع الدينية أو الدنيوية فترى كثيرًا من أدعياء العلم وأصحاب العمائم يُفتون بالباطل ويتكلَّمون في الدين بالرأي، بل وترى أيضًا كثيرًا ممن انتخبهم الناس للنظر في مصالحهم لا يرون سوى تحقيق غايات أنفسهم وأقاربهم ولو من طريق ظلم الآخرين. وقد جاء في كتاب “جامع بيان العلم وفضله” لابن عبد البرّ عن الإمام جعفر الصادق قال: “إذا رأيتم العالم محبًا لدنياه فاتَّهموه على دينكم فإن كل محبٍ لشىءٍ يحوط ما أحب”. فكم من محبي الزعامة يحوطون زعامتهم باضطهاد الناس وخداعهم وكم من علماء ينغمسون في الدنيا ولا يهتم أحدهم إلا لدنياه دون مراعاة أحكام الدين ومن كان هذا حاله فلا يؤتمن على النُصح لعباد الله. بل وكم من أدعياء العلم اليوم لا همَّ لهم سوى خدمة بعض السياسيين لإصلاح دنياهم فحسب فيفتونهم كما يشتهون ويتَّخذ أولئك فتواهم حصنًا لحماية فسادهم فيهلكون ويُهلكون وما أشبه حال كثيرٍ منهم بحال من قال الله تعالى فيهم: {وإذا قيل لهم لا تُفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون ألآ إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون} سورة البقرة. ومن كان فاسدًا في نفسه لا يعرف سوى طرق الاحتيال بالباطل واتخاذ ظهور الناس مطيةً إلى مآربه ولا يرى أن سيد القوم خادمهم فهيهات أن يكون من المصلحين.
والحمد لله أولًا وآخرًا.