تزَيَّن بالصَّفح والإحسان / بقلم الشيخ أسامة السيد/الشراع
مجلة الشراع 16 كانون اول 2021
الحمد لله وكفى وسلامٌ على عباده الذين اصطفى.
قال الله تعالى في القرآن الكريم: {خُذ العفو وأمر بالعُرف وأعرض عن الجاهلين} سورة الأعراف.
يواجه الواحد منا في مسيرة حياته العديد من القضايا التي ربَّما تُعرِّضه إلى إساءةٍ أو أذىً ممن يحب أحيانًا وممن يكره أحيانًا أخرى، وتختلف أحوال الناس بالتَّعاطي مع الإساءة والجرح الذي يتأتى من فلانٍ القريب أو فلانٍ البعيد، وقد تكون ردة فعل البعض حيال ذلك ثمرة خبرةٍ ووعي من نِتَاج ما تعلَّموه من شمائل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه الطاهرين ومن اقتدى بهم من الأئمة العارفين أو ما مرُّوا به أو سمعوا عنه من تجارب من سبَقهم أو عايشهم من أهل الخير والمعرفة فتأتي أفعالهم ضمن نطاق الحكمة، هذا بالنسبة لبعض الناس وهم قلَّة، وتأتي ردات فعل الآخرين نتيجة غضبٍ لحظوظ النفس يحملهم على التصرُّف بخلاف الحكمة فيقع أحدهم فيما لا تُحمد عُقباه. وعادةً ما تُفتح مع الجُرح لحظة وقوعه عدة أبواب تؤدي إلى مسالك مختلفةٍ فيدخل البعض باب الغضب والانتصار للنفس دون النظر إلى مراعاة الضَّوابط الشرعية في أفعاله وأقواله فتصدُر منه أبغض ردود الفعل العمياء وتراه ينساق من حيث يدري أو لا يدري إلى السَّفاهة والرَّذالة فإذا به يكثر اللعن والشتم بغير حقٍ ويحكُم في الأمور بالتخمين الناتج عن سوء الظن من غير تثبُّتٍ ولا بيِّنة.
أمراضٌ وعلاج
وينحدر البعض حتى يصل أحدهم إلى الحضيض فلا يحفظ لأخيه حُرمةً ولا حقًا ولا يترك سرًا أو سترًا إلا هتكه ولربما تعمَّق بعضهم في الشر أكثر فوصل إلى حدِّ البطش بإخوان الأمس بأن يتعرَّض لهم بما يؤذيهم في أنفسهم من القتل أو الضرب، ويزداد البغي في بعض النفوس حتى يبلغ بعضهم حدَّ الكفر بالله العظيم فتراه مثلًا يعترض على الله لأجل ما أصابه من قِبل فلانٍ أو ما نزل به جرَّاء بعض المشاكل التي لم يُحسن هو حلَّها. وبدلًا من تضميد الجرح ومداواته تُبنى السدود الشاهقة بين الخِلَّان وتكون القطيعة والبغضاء التي تمتد ربما لجيلٍ أو أجيالٍ، ويزين الشيطان لهذا المغرور أفعاله الخبيثة تحت عنوان الانتقام. وهنا يجد الشيطان طريقًا ليُقحم الشخص في المنكرات تلو المنكرات فيغرق في مستنقعات الجهل وتلتف حول عنقه حِبال إبليس فيعيش في ذُلِّ المعصية ويظن بغروره أنه عزيزُ الجانب، ومصداق هذا فيما رواه البيهقي عن أبي البُجير أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “ألا يا رُبَّ مُكرمٍ لنفسه وهو لها مهين ألا يا رُبَّ مُهينٍ لنفسه وهو لها مُكرم” أي أن بعض الناس يظُن أحدهم أنه يُكرم نفسه بما يُقحمها فيه من الإثم بدعوى الانتصار لها فيرى ذلك عزةً وشهامةً وهو في الحقيقة مُهينٌ لنفسه بما يتعرَّض له من سخط الله بخلاف بعضهم من الذين يصبرون ويضبطون أنفسهم فلا ينجرُّون إلى الحرام فيظن الجاهل فيهم المهانة والخنوع ولكنهم إنما يُكرمون أنفسهم في حقيقة الأمر بلزوم الشرع والوقوف عند حدوده. فجديرٌ بهؤلاء المتسلِّطين بالفساد قبل إطلاق العِنان لأنفسهم أن يكون عندهم من الرَّوية والصبر ما يجنبهم مسالك الشيطان، وخيرٌ لهم أن يكون الواحد منهم عاملًا بما أرشد ربنا تعالى إليه في الآية أعلاه، وقد أمر الله فيها بالتَّجمُّل بأخذ العفو أي فيما يملك فيه الشخص أن يعفو ويصفح والأمر بالعرف وهو المعروف وهو متضمنٌ للأمر بكل خير من الأعمال والأقوال والإعراض عن الجاهلين بالاحتمال والصبر، وقد قال ربنا في سورة فُصِّلت:{ولا تستوي الحسنةُ ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسنُ فإذا الذي بينك وبينه عداوةٌ كأنه وليٌ حميم} ومعنى أن يدفع المرء بالتي هي أحسن كدفع الغضب بالصبر والإساءة بالعفو، فإنك إن فعلتَ ذلك صار الذي بينك وبينه عداوة كالصديق القريب، وليس أرقى مما دلَّ عليه القرآن الكريم، فهل يترك هذا الهدي المبارك وينصاع لهوى النفس بعد ذلك إلا المغرور؟!
احذر الشيطانَ والهوى
وكم كان الصبر وكظم الغيظ سببًا في توبة جاهلٍ وعوده عن غيِّه ناهيك عمَّا يناله مَن صبر واحتمل ابتغاء مرضاة الله من أجرٍ عظيم، فقد روى الطبراني عن سهل بن معاذٍ عن أبيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: “من كَظَم غيظًا وهو يقدرُ على أن يُنْفِذَه دعاه الله على رُءُوسِ الخلائق حتى يُخَيَّر من حُورِ العينِ أيتهُنَّ شاء” فانظر إلى عظيم أجر من كظم الغيظ لا لعجزٍ ولا لضعفٍ بل مع القدرة على البطش والانتقام ولكن إنما فعل هذا ابتغاء مرضاة الله.
ولذلك ينبغي لمريد الترقي في معارج الفلاح أن يُجاهد نفسه فيلزمها ما فيه خيرها وصلاحها فإن مخالفة النفس شفاؤها، ومن عصى اللهَ فيك فأطع اللهَ فيه ولا تسترسل مع ما تدفعك إليه النفسُ الأمَّارة بالسوء ولا ما يسول لك به الشيطانُ الرجيم، وكن على ذُكرٍ أن الله تعالى قد حذَّرنا من ذلك تحذيرًا بليغًا قال تعالى: {إن الشيطان لكم عدوٌ فاتَّخذوه عدوًا إنما يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير} سورة فاطر. قال الطبري في “تفسيره”: “فإنه لَحَقٌ على كل مسلم عداوته (أي الشيطان) وعداوتُه أن يُعاديه بطاعة الله”. فالحذر الحذر من اتِّباع خَطوَاته لا سيما عند تعرض المرء إلى ما يكره من بعض الناس فلا ينبغي أن يكون موقفُه تجاه ذلك مبنيًا على ما وسوس به الشيطان بدعوى الانتصار للنفس وحفظ الكرامة وغير ذلك، وقد قال تعالى أيضًا: {إنَّ النَّفس لأمَّارةٌ بالسُّوءِ إلا ما رحم ربي} سورة يُوسف. فدلَّت الآية على أن بعض الشر من النفس وأن أغلب النفوس تأمر أصحابها بما تهواه وإن كان في غير رضا الله إلا مَنْ رحمه الله من خلقه فينجيه من اتِّباع هوى النفس. وإذا ما كانت نفسك سريعة الغضب تدعوك لسوء الأفعال فجاهدها مرةً بعد مرةٍ حتى تنقاد لك ولا تقل لا أقدر، قال البوصيري رحمه الله:
والنَّفس كالطِّفل إن تُهمله شبَّ على حُبِّ الرَّضاع وإن تفطمه ينفطم
والحمد لله أولًا وآخرا.