عام الفيل والمولد الشريف / بقلم الشيخ أسامة السيد/الشراع
مجلة الشراع 14 تشرين أول 2021
الحمد لله وكفى وسلام على عباده الذين اصطفى.
قال الله تعالى في القرآن الكريم: {ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل ألم يجعل كيدهم في تضليل وأرسل عليهم طيرًا أبابيل ترميهم بحجارة من سجيل فجعلهم كعصفٍ مأكول} سورة الفيل.
وروى الحاكم في المستدرك عن ابن عبَّاس “أن أصحاب الفيل أقبلوا حتى إذا دنَوْا من مكة استقبلهم (تعرَّض لهم) عبدُ المطلب فقال لملكهم: ما جاء بك إلينا ألا بعثت إلينا فنأتيك بكل شىءٍ أردت. فقال: أُخبرتُ بهذا البيت الذي لا يدخُله أحدٌ إلا أمِن فجئت أُخيف أهله. فقال: إنَّا نأتيك بكل شىءٍ تريد فارجع. فأبى إلا أن يدخله وانطلق يسير نحوه وتخلَّف عبد المطلب فقام على جبلٍ فقال: لا أشهد مهلِك البيتِ وأهله. فأقبلت مثل السَّحابة من نحو البحر حتى أظلتهم طيرٌ أبابيل التي قال الله عزَّ وجلَّ “ترميهم بحجارة من سجِّيل” فجعل الفيل يعجُّ عجًّا (العجُّ رفع الصوت) “فجعلهم كعصفٍ مأكول”.
قصة الفيل
ذكر غير واحد من أهل العلم من الحفَّاظ والمفسِّرين والمؤرخين كالحاكم في “المستدرك” وابن الجوزي في “زاد المسير” وابن الأثير في “الكامل” وغيرِهم خبرَ أصحاب الفيل وملخَّص ذلك أن الحبشة قديمًا غلبت على اليمن وملكت البلادَ زمانًا حتى كانت أيام أبرهة بن الصبَّاح الأشرم فأراد أن يصرف الناسَ عن قصد الكعبة الشريفة فبنى بيتًا في صنعاء اليمن سمَّاه “القلَّيس” وزخرفه وجمَّله، فغضب رجلٌ من العرب من بني فُقَيم فأتى القلَّيس فتغوَّط فيها، فأُخبر أبرهة بذلك فعزم على هدم الكعبة وأمر الحبشة فتجهَّزت وخرج في ستين ألفًا يتقدم جيشه فيلٌ عظيم أطلقوا عليه اسم “محمود” ومعه ثلاثة عشر فيلًا تتبعه، وسار يريد البيت الحرام فأعظمَ ذلك العرب ورأى بعضُهم قتاله فتعرَّضت له بعض القبائل فقاتلهم وهزمهم، ولما دنا من مكة أمر أصحابة بالغارة على أنعام الناس فأصابوا مائتي بعير لعبد المطلب (واسمه شيبة الحمد وعبد المطلب لقبه) وهو يومها عظيمُ مكة. ثم أرسل أبرهة رجلًا اسمه حَنَاطة الحميري إلى أهل مكة وقال له: سل عن سيد قريش وقل له إني لم آت لحربكم إنما جئت لهدم هذا البيت فإن لم تمنعوا عنه فلا حاجة لي بقتالكم. فانطلق حَنَاطة فلقي عبدَ المطلب فأخبره بما قال أبرهة فقال عبد المطلب: ما له عندنا قتال وما لنا به يد (قوة) إنَّا سنخلي بينه وبين ما جاء له فإن هذا بيت الله الحرام وبيت خليله إبراهيم عليه السلام فإن يمنعه فهو بيته وحرمه وإن يُخَلِّ بينه وبين ذلك فوالله ما لنا به قوة. قال: فانطلق معي إلى الملك. وكان عبد المطَّلب رجلًا عظيمًا وسيمًا فلما دخل على أبرهة أكرمه وأعظمه ونزل عن سريره فجلس معه على بساطٍ وأجلسه جنبه وقال لترجمانه: قل له ما حاجتك؟ فقال عبد المطلب: حاجتي أن يرد علي مائتي بعيرٍ أصابها لي. فقال أبرهة لترجمانه: قل له قد كنتَ أعجبتني حين رأيتُك ثم زهدت فيك حين كلمتني أتكلمني في إبلك وتترك بيتًا هو دينك ودين آبائك جئت لأهدمه؟ فقال عبد المطلب: أنا رب (مالك) هذه الإبل ولهذا البيت ربٌّ سيمنعه. فأمر أبرهة بإبله فرُدت إليه، فخرج عبد المطلب فأخبر قريشًا بما عزم عليه أبرهة وأمرهم أن يتفرَّقوا في الشِّعاب (جمع شِعْب وهو الطريق بين الجبال) ورءوس الجبال خوفًا من بطش الجيش إذا دخل مكة ففعلوا وأتى عبد المطلب باب الكعبة فأخذ بحلْقة الباب وأنشد شعرًا فيه:
يا رب لا أرجو لهم سواكا يا رب فامنع منهمُ حماكا
إن عدو البيت من عاداكا امنعهمُ أنْ يُخرِبوا قُراكا
وأصبح أبرهة متهيئًا لدخول مكة فبَرَك الفيلُ فضربوه فأبى النهوض فوجَّهوه إلى اليمن راجعًا فقام يهرول ووجَّهوه إلى الشام ثم إلى المشرق ففعل مثلَ ذلك فوجَّهوه إلى الحرم فأبى، فأرسل الله طيرًا أبابيل أي مجتمعة متتابعة من ناحية البحر مع كل طيرٍ ثلاثة أحجار من سِجِّيل أي من طينٍ طُبخت بنار جهنم، حجران في رجليه وحجر في منقاره ،كل حجر فوق حبة العدس ودون حبة الحِمَّص، جعلت ترميهم فيقع الحجر على رأس أحدهم فيخرقه ويقع في دماغه فصاروا كعصف مأكول أي كورق الزرع إذا أكلته الدواب فرمت به من أسفل فشبَّه تقطُّع أوصالهم بتفرُّق أجزائه، ثم أرسل الله سيلًا ألقاهم في البحر وحفظ الله الكعبة وانفلت أبو يَكسُوم وزير أبرهة وطائر يتبعه حتى وصل إلى النجاشي ملك الحبشة فأخبره بما جرى للقوم فرماه الطائر بحجر فمات بين يدي الملك فأراه الله كيف هلك أصحابه.
المولد الشريف
وهكذا حمى الله تعالى البيت الحرام وأصبح أصحاب الفيل نموذجًا من نماذج نهاية الظالمين ودرسًا يؤكد عدم الاستسلام للباطل مهما استبد أهله، فقد طغى أبرهة واغترَّ جدًا حتى أغرقه الغرور في شَرَك إجرامه فكان عبرةً لمن يعتبر وكان كل ذلك تمهيدًا لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وشأنه إذ انبلج في ذلك العام فجر النور وأشرقت الأرض بمولد خير البرية سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم فكان ذلك إيذانًا بظهور الهدى وأفول ظلام الجاهلية.
روى الحاكم في “المستدرك” وصححه ووافقه الذهبي عن ابن عبَّاس قال: “ولد النبي صلى الله عليه وسلم عام الفيل” وقال الحافظ ابن الجوزي في “تلقيح فُهوم أهل الأثر”: “اتفقوا على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولد يوم الاثنين في شهر ربيع الأول عام الفيل”. وهذا هو المعتمد القائم عليه الإجماع ولكن اختلفوا في تاريخ مولده الشريف من الشهر المذكور وجزم ابن حبَّان في كتاب “الثقات” “أن المولد كان لاثنتي عشرة ليلة خلت من ربيع الأول”. قلتُ: وهذا خلافُ زعمِ من يزعم أنه لم يثبت تاريخ مولده صلى الله عليه وسلم ويُنكر على المسلمين الاحتفال بالمولد الشريف، ولعمري لا يقول ذلك إلا جاهل أو مُغتاظٌ من إظهار المؤمنين الفرح بمولد سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم، فإن إظهار الفرح بمولده الكريم صلى الله عليه وسلم من علامات تعلُّق المسلمين بنبيهم العظيم فأحينا اللهم على حبِّه وأمتنا على سنته.
والحمد لله أولًا وآخرًا.