حكومة “هدنة ” في الداخل ومع الخارج بانتظار التسويات الكبرى / خاص- “الشراع”
مجلة الشراع 20 أيلول 2021
لاحظ مطلعون ان الرئيس نجيب ميقاتي كان شديد الارتياح غداة الاعلان في قصر بعبدا عن تشكيل الحكومة الجديدة برئاسته والتصريح الذي ادلى به في اعقاب ذلك.
وقد تم استمر هذا الارتياح بشكل تصاعدي مع التحرك الكثيف الذي قام بها لانجاز البيان الوزاري ونيل الثقة في المجلس النيابي باكبر عدد ممكن من الاصوات وباسرع وقت، ومن خلال اطلالاته الاعلامية التي عبّر فيها عن مواقفه بشكل ارخى بظلاله على التوقعات المتفائلة المتصلة بما يمكن ان تقوم به حكومته.
ارتياح ميقاتي هام للغاية كونه لا يعبر فقط عن سروره بالانجاز الذي تحقق بتشكيل الحكومة بعد فراغ على مستوى مجلس الوزراء استمر لمدة 13 شهراً، بل يعكس ايضا ما توافر من اجواء معطيات جديدة داخلياً وخارجياً تتيح له مع للحكومة العمل على تنفيذ برنامجها ، اقله لادارة الانهيار ومنع تفاقمه والسعي الى وضع بصماته في فترة انتقالية من شأنها وضع لبنان على سكة جديدة تفضي الى الانفراجات الموعودة ولو بعد حين.
وبالطبع، فان شخصية مجّربة مثل نجيب ميقاتي تولت سابقاً مهمة رئاسة الحكومة في مرحلتين انتقاليتين سابقتين خرج بعدهما لبنان الى اوضاع اقل سوءاً مما كان يعيشه، تعرف تماماً ماذا تفعل، لاسيما وانه اي ميقاتي رجل الاعمال المتمرس الذي لم يسجل في سيرته انه استثمر في مشروع خاسر او غير منتج، ما عزز الآمال بان قبوله بمخاطرة تولي رئاسة الحكومة يستند الى جملة عوامل ومعطيات تجعله متفائلاً وعلى ثقة بان يكون في تجربته الجديدة برئاسة الحكومة ناجحاً.
وبمعزل عن كل ما قيل عن الحكومة الجديدة وطريقة الاخراج التي تمت بها والعوامل التي ادت الى ولادتها ، فان المهم اليوم هو انه صار للبنان حكومة.
ووفق قاعدة حكومة، اي حكومة افضل من الفراغ الذي كانت البلاد تعيشه في غياب اي ادارة فعلية وقادرة على ادارة الاوضاع في البلاد ، فان الاعلان عن تشكيل الحكومة شكل ما يشبه العيد بالنسبة للبنانيين ،كل اللبنانيين الذين عانوا طوال المرحلة السابقة الامرين على اكثر من مستوى وفي غير صعيد في ظل اخفاق كل محاولات الرئيس ميشال عون وفريقه من اجل تقديم بدل عن ضائع في موضوع ادارة البلاد.
فبمعزل كل ما قيل عن ان الحكومة يملك فيها رئيس الجمهورية الثلث المعطل ولو بشكل مقنع ، او ان الحكومة هي حكومة جبران باسيل وإن بشكل مستتر ،او ان الحكومة تدار بواسطة “الروموت كونترول” الفرنسي بعد توافر التفويض الاميركي لباريس في هذا المجال وبعد التوافق الفرنسي – الايراني اثر الاتصال بين ماكرون وابراهيم رئيسي .بصرف النظر عن كل ذلك فان اللمسة الميقاتية لا يمكن اغفالها لا سيما على صعيد التعاطي مع التناقضات الداخلية والخارجية والعمل على ادارتها بطريقة تضمن على الاقل دخول لبنان في فترة هدنة ، بين دائرتين:
الدائرة الاولى وهي عنوان الحرب غير العسكرية التي شهدها وأدت الى ما أدت اليه من انهيارات غير مسبوقة ومن زعزعة المؤسسات العامة وطغيان سيطرة مافيات وكارتيلات الاحتكار على تعددها ،واتساع دائرة الفقر لاسيما المدقع
والثانية هي دائرة السلم المطلوب لاخراج لبنان من ازماته وهي دائرة لم تتوافر شروطها الكاملة بعد كونها مرتبطة بالوضع العام في المنطقة وان كانت المؤشرات الاولية لما يجري تبشر بان الامور ذاهبة باتجاه تفاهمات وتسويات واتفاقات قد يطول أمد الوصول اليها وقد يقصر الا ان الطريق المؤدي اليها بات مفتوحاً بعد ان كان مسدوداً بالكامل في فترات سابقة.
هدنة ليس هدفها تقطيع الوقت او شرائه الى حين حلول لحظة التفاهمات الكبرى في المنطقة ، فهذا الامر وان كان سيحصل حكماً الا انه سيترافق مع برنامج اعلن ميقاتي صراحة انه سيعمل عليه لضمان عدم الذهاب الى المزيد من التدهور والانهيار اولاً ، وللعمل على اخراج اللبنانيين من حالتي الاحباط واليأس مما اصابهم واصاب وطنهم ثانياً، ولتأمين المتطلبات الاساسية والملحة على كل المستويات ولاسيما على صعيد اعادة الانتظام في عمل المؤسسات ، هذا فضلا عن اخراج لبنان من حالة العزل والحصار التي يعيشها عربياً ودولياً والدفع باتجاه تأمين المناخات المؤاتية من اجل الالتزام بالاستحقاقات الانتخابية وفي مقدمتها الانتخابات النيابية ومن ثم الرئاسية.
الحكومة لا تملك عصا سحرية بالطبع ولا تستطيع تحقيق المعجزات ايضاً ، خصوصا وان طبيعتها الاساسية هي طبيعة انتقالية وفيها من التناقضات ما يهدد بانفراطها في اي لحظة ، اضافة الى ان عمرها قد لا يتجاوز الثمانية اشهر مع حلول موعد الانتخابات النيابية في الربيع المقبل في حال جرت هذه الانتخابات في موعدها ولم يعترضها ما يدفع الى تأجيلها والتمديد للمجلس النيابي الحالي.
لكن وعلى “قاعدة لا بد مما ليس منه بد” ، فان الحكومة الحالية بالطبع افضل بعشرات لا بل بمئات الاضعاف من الحالة السابقة ،اي حالة حكومة تصريف الاعمال وحالة تصدر بعبدا محاولات ملء الفراغ على مستوى السلطة التنفيذية من خلال العمل على خلق اعراف جديدة عبر اجتماعات لا طائل منها وعبر المداومة على عقد جلسات للمجلس الاعلى للدفاع .
ومن المؤكد ان اللبنانيين ينتظرون من الحكومة الكثير مما لا طاقة لها عليه، وحتى الحديث عن فترة سماح تمتد لمدة مائة يوم ليس مطروحاً على غرار ما كان يطرح مع الحكومات السابقة بسبب الاوضاع الاستثنائية والصعبة التي تعيشها البلاد وبسبب الحاجات الملحة والضاغطة والتي تستلزم خطوات غير عادية وربما من نوع غير مسبوق خصوصاً اذا تم رفع الدعم نهائيا وتحرير سعر صرف الليرة وهما امران باتا امراً واقعاً لا يمكن تجاوزه بكل ما قد يترتب على ذلك من انعكاسات على وضع المواطن وعيشه وحياة اسرته وعلى وضع كل القطاعات ولا سيما الصحي منها.
ورغم الاحاديث المتداولة عن الطابع الكاريكاتوري الذي تتسم به شخصيات بعض الوزراء ، ولاسيما على وسائل التواصل الاجتماعي التي تضج بشتى انواع السخرية والتهكم على تصريح لهذا الوزير او ذاك وسلوك زميل له او تحرك اخر، و”الركاكة السياسية”التي تطغى على عدد غير قليل من اعضائها من جراء عدم امتلاكهم الخبرة او التجربة السياسية، فان ثمة ما يشبه الاجماع حتى لدى هؤلاء المتهكمين والساخرين على ان الحكومة ككل هي بمثابة الفرصة الوحيدة المتاحة حالياً للخروج من دوامة الانهيار ووضع لبنان على سكة الخروج من نفق الازمات.
وفي مقابل المتشائمين ازاء ما سيعترض الحكومة من عراقيل وعقد وشروط ، وايضاً في مقابل المتفائلين بها وبما يمكن ان تقوم به، ثمة خيط رفيع يمكن تلمس اتجاهه بين هؤلاء جميعا ويتصل بطبيعة ما جرى اذ ان الحكومة الجديدة وقد حازت على تأشيرة سفر الى العالم من اجل فتح ابواب العواصم المؤثرة والنافذة من اجل مساعدة لبنان، سيكون عليها استخدام هذه التأشيرة من اجل استخدامها في رحلات شاقة وصعبة بكل ما يتخللها من مطبات ،لضمان هبوط الطائرة بأمان في رحاب الوطن لانقاذ ما تبقى والانطلاق مجدداً باتجاه استعادة الثقة وترميم ما يمكن ترميمه واعادة بناء ما تهدم على المستويات كافة.