خاص النهوض /كتب غسان حلواني لبنان بين الانهيار والتحول: مقاربة في علم السياسة وعلم الاجتماع السياسي.
خاص النهوض
كتب غسان حلواني
لبنان بين الانهيار والتحول:
مقاربة في علم السياسة وعلم الاجتماع السياسي.
المقدمة
يقف لبنان اليوم على مفترق طرق مصيري، إذ يعيش أزمة مركّبة تتشابك فيها الأبعاد السياسية والاقتصادية والاجتماعية والعسكرية في نسيج واحد، جاعلة منه حالة فريدة في علم السياسة المعاصر. فمنذ اندلاع التصعيد العسكري في مارس/آذار 2026، دخل لبنان في مواجهة عنيفة مع إسرائيل، خلّفت أكثر من 2586 قتيلاً و8020 جريحاً بين 2 مارس و30 أبريل، ونزوح نحو 1.2 مليون شخص. غير أن هذه الحرب لم تكن سوى ذروة لأزمة متراكمة منذ العام 2019، تمثلت في انهيار مالي – محا أكثر من 90% من قيمة العملة-، وتآكل مؤسسات الدولة، وشلل سياسي طال أمده.
تتناول هذه المقالة واقع لبنان السياسي والاقتصادي الراهن من منظور علم السياسة وعلم الاجتماع السياسي، مسلّطة الضوء على أبرز النظريات التي يمكن أن تفسّر هذا الواقع، ومستشرفة مستقبل البلاد في ظل المتغيرات الإقليمية والدولية.
أولاً: الإطار النظري:
الدولة الطائفية وأزمة السيادة:
نظرية الدولة والمحتكر الشرعي للعنف
يُعدّ مبدأ احتكار الدولة للعنف المشروع، كما صاغه ماكس فيبر، حجر الزاوية في مفهوم الدولة الحديثة. غير أن لبنان يمثّل حالةً شاذةً في هذا السياق، إذ إن الدولة اللبنانية فقدت، منذ نشأتها، احتكارها الكامل للعنف، ولا سيما بعد اتفاق الطائف 1989 الذي قنّن تقاسم السلطة على أسس طائفية وأبقى على وجود مفهوم الميليشيات المسلحة، رغم استيعاب اغلبها داخل المؤسسات الأمنية للدولة.
ويجد هذا المفهوم تجلّيه اليوم في علاقة حزب الله بالدولة اللبنانية. فالحزب، الذي يمتلك ترسانة عسكرية تفوق قدرات الجيش اللبناني، يدير سياسة الحرب والسلم بشكل مستقل عن الدولة، ويقرر خوض الحروب باسم لبنان دون استشارة مؤسساته الشرعية. وقد عبّر الرئيس اللبناني جوزاف عون عن هذا التناقض الجوهري بقوله إن لبنان يواجه “خيارين: الوحدة حول دولة قوية أو منطق الميليشيات”.
و يعلّق لعض العرفين بالسياسة بالقول، إن الاتفاق الأمني بين لبنان وإسرائيل “وضع كل العبء على لبنان” و”خلق هيكلاً يسمح للإسرائيليين بالبقاء (في جنوب لبنان) إلى أجل غير مسمى. و في تقرير صدر عن كلية لندن للاقتصاد والعلوم السياسية، تم وصف الاتفاق بأنه “مولود ميت” وهيكلياً معيب، لأنه يتوقف على شرط يستحيل تحقيقه عملياً.
الديمقراطية التوافقية تحت الضغط
يصنّف علماء السياسة النظام اللبناني ضمن أنظمة “الديمقراطية التوافقية” (Consociational Democracy) التي صاغها أريك ليجفارت، حيث تقوم على تقاسم السلطة بين النخب الطائفية، ومنح كل طائفة حصة ثابتة في المؤسسات، وحق النقض (الفيتو) للطوائف الكبرى. وقد نجح هذا النظام، لفترة من الزمن، في احتواء الصراعات الطائفية ومنع انزلاق البلاد مجدداً إلى حرب أهلية.
لكن هذا النظام بات اليوم تحت ضغط هائل يكاد يهدد بانهياره. فقد وصف رئيس الوزراء نواف سلام النظام الطائفي بأنه نظام “يقوّض مفهوم المواطنة” من خلال منع المساواة في الوصول إلى المناصب العامة. وأضاف أن “أزمة المواطنة في لبنان تنبع من غياب الاعتراف السياسي الكامل بحق الفرد في الاستقلال عن الانتماء الطائفي”.
ووفقاً لتحليل نشر في ديلي إكسلسيور، فإن “النظام الطائفي المميز في لبنان – الذي يوصف في علم السياسة غالباً بأنه شكل من أشكال الحكم التوافقي – يخضع اليوم لاختبار ضغط في الوقت الفعلي لقدرته على الحفاظ على التماسك الداخلي تحت ضغط خارجي شديد”.
الاقتصاد السياسي للانهيار:
نظرية الدولة المفترسة
يقدّم مفهوم “الدولة المفترسة” (Predatory State) إطاراً تفسيرياً قوياً لفهم الأزمة الاقتصادية اللبنانية. فوفقاً لتحليل صادر عن معهد الشرق الأوسط، فإن “الأزمة الاقتصادية في لبنان هي نتيجة متعمّدة لدولة لاعب مفترس (Player State) تعمل بنشاط على إقصاء المنافسة للحفاظ على الاحتكارات الداخلية والكارتلات التي ترعاها الدولة”.
وقد أوضحت دراسة صادرة عن كارنيغي للشرق الأوسط أن “استثنائية لبنان تكمن في ارتفاع مستوى عدم المساواة في الدخل والثروة، وقد وُصفت النخبة الحاكمة بأنها “نخبة مفترسة تعتبر الموارد العامة ملكاً لها، مما يخلق دولة مفترسة”.
إن انهيار العملة بنسبة تجاوزت 90%، وتجميد البنوك للحسابات، وتفكك الخدمات العامة، كلها مظاهر لهذا النموذج الاقتصادي المفترس الذي فضّل مصالح النخبة على مصالح الدولة والمجتمع. وقد قدّرت وكالة موديز أن الدين العام سيرتفع إلى نحو 160% من الناتج المحلي الإجمالي في 2026، فيما تتوقع الوكالة انكماش الاقتصاد بنسبة 14% في العام نفسه.
نظرية الرأسمالية المحاباة والريع:
يمكن الاستعانة بنظرية “الدولة الريعية”، لفهم اعتماد الاقتصاد اللبناني على التحويلات المالية الخارجية والريع، بدلاً من الإنتاج. فقد بني النموذج الاقتصادي اللبناني على تدفقات رأس المال من الخارج (تحويلات المغتربين، الودائع المصرفية، المساعدات الخارجية)، وعندما توقفت هذه التدفقات، انهار النموذج بأكمله.
ويشير تقرير صادر عن البنك الدولي إلى أن لبنان عانى من “انهيار مالي ونقدي وصرفي حاد” منذ 2019، مع “تراجع حاد في الخدمات العامة”. وقد صنّف صندوق النقد الدولي الأزمة المصرفية اللبنانية على أنها “أزمة نظامية”.
الرأسمال الاجتماعي وانهيار الثقة
نظرية الرأسمال الاجتماعي لبيير بورديو
يوفّر مفهوم “الرأسمال الاجتماعي” كما طوّره بيير بورديو إطاراً لفهم تفكك النسيج الاجتماعي اللبناني. فالرأسمال الاجتماعي – أي شبكات العلاقات والمعايير والثقة التي تيسّر التعاون – كان في لبنان موجّهاً بشكل طائفي، مما أدى إلى تفتيت المجتمع إلى طوائف منغلقة، كل منها تعتمد على شبكاتها الخاصة.
أظهرت دراسة حديثة أن “لبنان ومصر يظهران انهياراً في الثقة العامة، حيث تشير أغلبية المستجيبين إلى عدم الثقة في معظم الناس، متجاوزة 90%”. وقد اعتُبر هذا “تآكل الثقة” المحرّك الأساسي للأزمة الاجتماعية المستمرة.
وتشير دراسة بورديوسية إلى أن “رأس المال الاجتماعي المؤسسي المهيمن” في لبنان أصبح المورد الاجتماعي الأكثر كفاءة، وأن “الأغلبية من مؤسسات الدولة وغير الدولة في لبنان” تعمل ضمن هذا الإطار. وهذا يعني أن الانتماء الطائفي والشبكات العائلية أصبحت أكثر أهمية من المواطنة والانتماء الوطني.
نظرية بيوبوليتيك : ميشيل فوكو وغورغيو أغمبين
يمكن الاستعانة بمفهوم “البيوبوليتيك” عند فوكو، ومفهوم “الحياة العارية” (Bare Life) عند أغمبين، لفهم كيفية تعامل الدولة اللبنانية مع الفئات المهمّشة. ففي لبنان، تُنتج السياسات الطائفية “حالة استثناء” دائمة، حيث تُستبعد بعض الفئات (كالفلسطينيين والسوريين) من الحماية القانونية الكاملة.
ويقدّر أن حوالي 250 ألف لاجئ فلسطيني يعيشون في لبنان، يعيش نحو 80% منهم تحت خط الفقر. كما أن حوالي 44% من سكان لبنان و33% من المواطنين اللبنانيين يعيشون في فقر نقدي. وقد حذّر برنامج الأغذية العالمي من أن نحو ربع سكان لبنان يواجهون انعدام الأمن الغذائي.
الأبعاد الإقليمية والدولية: لعبة القوى الكبرى
نظرية التبعية والهيمنة
يمكن تطبيق نظرية التبعية (Dependency Theory) التي طوّرها كل من راؤول بريبيش وأندريه غوندر فرانك، لفهم موقع لبنان في النظام الإقليمي. فلبنان، بوصفه دولة صغيرة ومجزأة، أصبح ساحة لصراع القوى الإقليمية والدولية، وخصوصاً الصراع بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل.
تشير وثيقة مذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران إلى أن “مستقبل حزب الله، وحسابات إسرائيل الأمنية، وقدرة الدولة اللبنانية على استعادة السلطة، انتقلت إلى مركز المعادلة الإقليمية الجديدة”. وقد لجأت إيران إلى توجيه ضربات صاروخية مباشرة ضد إسرائيل في 7 يونيو 2026 رداً على القصف الإسرائيلي لبيروت، “في محاولة لإثبات أن أمن مراكز القيادة اللبنانية مرتبط بشكل مباشر بإطار الردع الإقليمي الخاص بها”.
الإطار الثلاثي وتداعياته
شكّل التوقيع على الإطار الثلاثي بين لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة في 26 يونيو 2026 محطة فارقة. ومع أن الاتفاق مثّل “اختراقاً ملحوظاً نحو السلام”، كما وصفه معهد الشرق الأوسط، فإن تنفيذه يواجه عقبات جسيمة، أبرزها رفض حزب الله نزع سلاحه وعدم قدرة أي حكومة لبنانية على فرض ذلك.
و يبدو جليا ً من أن “فصل واشنطن المتعمّد للصراعات منح إسرائيل حرية عمل أكبر في لبنان”. كما أشار إلى أن إسرائيل “رسّخت منطقة عازلة في جنوب لبنان بعمق حوالي 8-10 كيلومترات”.
استشراف مستقبل لبنان
سيناريو استعادة السيادة
يمثل هذا السيناريو الخيار الأكثر تفاؤلاً، حيث تتمكن الدولة اللبنانية من استعادة احتكارها للعنف عبر نزع سلاح حزب الله تدريجياً، بالتعاون مع المجتمع الدولي. وقد أشار معهد الشرق الأوسط إلى أن “الغالبية من اللبنانيين، بمن فيهم أعداد متزايدة من الشيعة، يريدون الآن رؤية حزب الله منزوع السلاح وإيران مطرودة”.
ويقول المحللون إن “استعادة السيادة اللبنانية من خلال نزع سلاح حزب الله” من شأنها أن تزيل العقبات أمام السلام بين لبنان وإسرائيل. وقد وضعت حكومة سلام خطة ما بعد الحرب تركّز على “ربط عودة النازحين، والمساعدة الإنسانية، والحماية الاجتماعية، والتعافي السريع، واستعادة الخدمات الأساسية، والتحضير لإعادة الإعمار”.
سيناريو الجمود المطول
هذا هو السيناريو الأكثر ترجيحاً في المدى المنظور، حيث يستمر الوضع الراهن من جمود سياسي وانهيار اقتصادي وتوتر أمني. وقد قدّر البنك الدولي تكاليف إعادة الإعمار والانتعاش بـ 8.5 مليار دولار، لكن تحقيق هذا الرقم يتطلب استقراراً أمنياً وإصلاحات سياسية لا تبدو وشيكة.
وتشير تقديرات إلى أن “أي انتعاش مستدام سيعتمد على إعادة هيكلة شاملة للديون السيادية، وميزانية مصرف لبنان المركزي، والقطاع المصرفي التجاري”. غير أن هذه الإصلاحات تصطدم بالعقبات السياسية نفسها التي تسببت في الأزمة.
سيناريو التقسيم أو الفيدرالية
تطرح بعض الأوساط اللبنانية، وخصوصاً المسيحية، فكرة تحويل لبنان إلى اتحاد فيدرالي من كانتونات طائفية. لكن معهد المركز العربي في واشنطن يحذّر من أن “الفيدرالية من شأنها أن تعمّق التوترات الطائفية في لبنان”، مشيراً إلى أن الدعوات إلى الفيدرالية هي “نتاج الدور المفرط لحزب الله وحركة أمل، الفاعلين السياسيين المهيمنين في الطائفة الشيعية”.
العامل الخارجي: الدور الأمريكي والخليجي
يلعب المجتمع الدولي، وخصوصاً الولايات المتحدة ودول الخليج، دوراً محورياً في تحديد مستقبل لبنان. وقد أشار معهد الشرق الأوسط إلى أن “القيادة الأمريكية يمكنها طرد إيران من لبنان” في ظل اللحظة الراهنة التي تشهد “ضعفاً حاداً في قدرة إيران على إسقاط قوتها إقليمياً”. لكن ذلك يتطلب “دعمًا أمريكيًا مستدامًا يجمع بين التوقعات الواضحة والمساعدات السياسية والاقتصادية والأمنية المستهدفة لنزع سلاح حزب الله وتنفيذ الإصلاحات”.
من هنا يرى أن لبنان اليوم يمثّل مختبراً حياً لأكثر إشكاليات علم السياسة وعلم الاجتماع السياسي تعقيداً: أزمة الدولة والمجتمع المدني، التوتر بين الهويات الطائفية والمواطنة، صراع المحلية والعالمية، وأزمة النموذج التنموي الريعي. فالدولة اللبنانية، التي ولدت ككيان هشّ بتوافق طائفي، تجد نفسها اليوم أمام اختبار وجودي.
إن مستقبل لبنان يتوقف على عوامل متشابكة: قدرة النخبة السياسية على تجاوز منطق المحاصصة الطائفية نحو دولة المواطنة، استعداد المجتمع الدولي لدعم إصلاحات هيكلية حقيقية وليس فقط إغاثة طارئة، وإمكانية تحييد لبنان عن صراعات القوى الإقليمية. كما لاحظ رئيس الوزراء نواف سلام، فإن لبنان يمتلك “إمكانات اقتصادية وبشرية كبيرة يمكن أن تمكّن من تعافٍ أسرع مما يتوقّعه الكثيرون”. لكن تحقيق هذه الإمكانات يقتضي تجاوز عقوداً من الفساد، والطائفية السياسية، وإرث الحرب الأهلية، وانتهاكات السيادة، والتوظيف الخارجي للأرض اللبنانية.
في التحليل النهائي، يبقى لبنان أمام خيارين لا ثالث لهما: إما أن ينخرط في مسار تحول جوهري نحو دولة مدنية ديمقراطية تحترم التنوع وتحتكر العنف، أو أن يستمر في مسار التفكك التدريجي حتى يصبح مجرد “كيان” هشّ تتصارع عليه القوى الإقليمية والدولية، وتتآكل مقوماته الوطنية تحت وطأة الانهيار الاقتصادي والاجتماعي. إن لبنان اليوم ليس في حالة حرب شاملة، لكنه بالتأكيد ليس في سلام. وهذا الوصف يلخّص بإيجاز مأساة لبنان المعاصر: دولة عالقة بين السلام والحرب، بين الدولة والميليشيا، بين المواطنة والطائفة، بين السيادة والتبعية.
المقدمة
يقف لبنان اليوم على مفترق طرق مصيري، إذ يعيش أزمة مركّبة تتشابك فيها الأبعاد السياسية والاقتصادية والاجتماعية والعسكرية في نسيج واحد، جاعلة منه حالة فريدة في علم السياسة المعاصر. فمنذ اندلاع التصعيد العسكري في مارس/آذار 2026، دخل لبنان في مواجهة عنيفة مع إسرائيل، خلّفت أكثر من 2586 قتيلاً و8020 جريحاً بين 2 مارس و30 أبريل، ونزوح نحو 1.2 مليون شخص. غير أن هذه الحرب لم تكن سوى ذروة لأزمة متراكمة منذ العام 2019، تمثلت في انهيار مالي – محا أكثر من 90% من قيمة العملة-، وتآكل مؤسسات الدولة، وشلل سياسي طال أمده.
تتناول هذه المقالة واقع لبنان السياسي والاقتصادي الراهن من منظور علم السياسة وعلم الاجتماع السياسي، مسلّطة الضوء على أبرز النظريات التي يمكن أن تفسّر هذا الواقع، ومستشرفة مستقبل البلاد في ظل المتغيرات الإقليمية والدولية.
أولاً: الإطار النظري:
الدولة الطائفية وأزمة السيادة:
نظرية الدولة والمحتكر الشرعي للعنف
يُعدّ مبدأ احتكار الدولة للعنف المشروع، كما صاغه ماكس فيبر، حجر الزاوية في مفهوم الدولة الحديثة. غير أن لبنان يمثّل حالةً شاذةً في هذا السياق، إذ إن الدولة اللبنانية فقدت، منذ نشأتها، احتكارها الكامل للعنف، ولا سيما بعد اتفاق الطائف 1989 الذي قنّن تقاسم السلطة على أسس طائفية وأبقى على وجود مفهوم الميليشيات المسلحة، رغم استيعاب اغلبها داخل المؤسسات الأمنية للدولة.
ويجد هذا المفهوم تجلّيه اليوم في علاقة حزب الله بالدولة اللبنانية. فالحزب، الذي يمتلك ترسانة عسكرية تفوق قدرات الجيش اللبناني، يدير سياسة الحرب والسلم بشكل مستقل عن الدولة، ويقرر خوض الحروب باسم لبنان دون استشارة مؤسساته الشرعية. وقد عبّر الرئيس اللبناني جوزاف عون عن هذا التناقض الجوهري بقوله إن لبنان يواجه “خيارين: الوحدة حول دولة قوية أو منطق الميليشيات”.
و يعلّق لعض العرفين بالسياسة بالقول، إن الاتفاق الأمني بين لبنان وإسرائيل “وضع كل العبء على لبنان” و”خلق هيكلاً يسمح للإسرائيليين بالبقاء (في جنوب لبنان) إلى أجل غير مسمى. و في تقرير صدر عن كلية لندن للاقتصاد والعلوم السياسية، تم وصف الاتفاق بأنه “مولود ميت” وهيكلياً معيب، لأنه يتوقف على شرط يستحيل تحقيقه عملياً.
الديمقراطية التوافقية تحت الضغط
يصنّف علماء السياسة النظام اللبناني ضمن أنظمة “الديمقراطية التوافقية” (Consociational Democracy) التي صاغها أريك ليجفارت، حيث تقوم على تقاسم السلطة بين النخب الطائفية، ومنح كل طائفة حصة ثابتة في المؤسسات، وحق النقض (الفيتو) للطوائف الكبرى. وقد نجح هذا النظام، لفترة من الزمن، في احتواء الصراعات الطائفية ومنع انزلاق البلاد مجدداً إلى حرب أهلية.
لكن هذا النظام بات اليوم تحت ضغط هائل يكاد يهدد بانهياره. فقد وصف رئيس الوزراء نواف سلام النظام الطائفي بأنه نظام “يقوّض مفهوم المواطنة” من خلال منع المساواة في الوصول إلى المناصب العامة. وأضاف أن “أزمة المواطنة في لبنان تنبع من غياب الاعتراف السياسي الكامل بحق الفرد في الاستقلال عن الانتماء الطائفي”.
ووفقاً لتحليل نشر في ديلي إكسلسيور، فإن “النظام الطائفي المميز في لبنان – الذي يوصف في علم السياسة غالباً بأنه شكل من أشكال الحكم التوافقي – يخضع اليوم لاختبار ضغط في الوقت الفعلي لقدرته على الحفاظ على التماسك الداخلي تحت ضغط خارجي شديد”.
الاقتصاد السياسي للانهيار:
نظرية الدولة المفترسة
يقدّم مفهوم “الدولة المفترسة” (Predatory State) إطاراً تفسيرياً قوياً لفهم الأزمة الاقتصادية اللبنانية. فوفقاً لتحليل صادر عن معهد الشرق الأوسط، فإن “الأزمة الاقتصادية في لبنان هي نتيجة متعمّدة لدولة لاعب مفترس (Player State) تعمل بنشاط على إقصاء المنافسة للحفاظ على الاحتكارات الداخلية والكارتلات التي ترعاها الدولة”.
وقد أوضحت دراسة صادرة عن كارنيغي للشرق الأوسط أن “استثنائية لبنان تكمن في ارتفاع مستوى عدم المساواة في الدخل والثروة، وقد وُصفت النخبة الحاكمة بأنها “نخبة مفترسة تعتبر الموارد العامة ملكاً لها، مما يخلق دولة مفترسة”.
إن انهيار العملة بنسبة تجاوزت 90%، وتجميد البنوك للحسابات، وتفكك الخدمات العامة، كلها مظاهر لهذا النموذج الاقتصادي المفترس الذي فضّل مصالح النخبة على مصالح الدولة والمجتمع. وقد قدّرت وكالة موديز أن الدين العام سيرتفع إلى نحو 160% من الناتج المحلي الإجمالي في 2026، فيما تتوقع الوكالة انكماش الاقتصاد بنسبة 14% في العام نفسه.
نظرية الرأسمالية المحاباة والريع:
يمكن الاستعانة بنظرية “الدولة الريعية”، لفهم اعتماد الاقتصاد اللبناني على التحويلات المالية الخارجية والريع، بدلاً من الإنتاج. فقد بني النموذج الاقتصادي اللبناني على تدفقات رأس المال من الخارج (تحويلات المغتربين، الودائع المصرفية، المساعدات الخارجية)، وعندما توقفت هذه التدفقات، انهار النموذج بأكمله.
ويشير تقرير صادر عن البنك الدولي إلى أن لبنان عانى من “انهيار مالي ونقدي وصرفي حاد” منذ 2019، مع “تراجع حاد في الخدمات العامة”. وقد صنّف صندوق النقد الدولي الأزمة المصرفية اللبنانية على أنها “أزمة نظامية”.
الرأسمال الاجتماعي وانهيار الثقة
نظرية الرأسمال الاجتماعي لبيير بورديو
يوفّر مفهوم “الرأسمال الاجتماعي” كما طوّره بيير بورديو إطاراً لفهم تفكك النسيج الاجتماعي اللبناني. فالرأسمال الاجتماعي – أي شبكات العلاقات والمعايير والثقة التي تيسّر التعاون – كان في لبنان موجّهاً بشكل طائفي، مما أدى إلى تفتيت المجتمع إلى طوائف منغلقة، كل منها تعتمد على شبكاتها الخاصة.
أظهرت دراسة حديثة أن “لبنان ومصر يظهران انهياراً في الثقة العامة، حيث تشير أغلبية المستجيبين إلى عدم الثقة في معظم الناس، متجاوزة 90%”. وقد اعتُبر هذا “تآكل الثقة” المحرّك الأساسي للأزمة الاجتماعية المستمرة.
وتشير دراسة بورديوسية إلى أن “رأس المال الاجتماعي المؤسسي المهيمن” في لبنان أصبح المورد الاجتماعي الأكثر كفاءة، وأن “الأغلبية من مؤسسات الدولة وغير الدولة في لبنان” تعمل ضمن هذا الإطار. وهذا يعني أن الانتماء الطائفي والشبكات العائلية أصبحت أكثر أهمية من المواطنة والانتماء الوطني.
نظرية بيوبوليتيك : ميشيل فوكو وغورغيو أغمبين
يمكن الاستعانة بمفهوم “البيوبوليتيك” عند فوكو، ومفهوم “الحياة العارية” (Bare Life) عند أغمبين، لفهم كيفية تعامل الدولة اللبنانية مع الفئات المهمّشة. ففي لبنان، تُنتج السياسات الطائفية “حالة استثناء” دائمة، حيث تُستبعد بعض الفئات (كالفلسطينيين والسوريين) من الحماية القانونية الكاملة.
ويقدّر أن حوالي 250 ألف لاجئ فلسطيني يعيشون في لبنان، يعيش نحو 80% منهم تحت خط الفقر. كما أن حوالي 44% من سكان لبنان و33% من المواطنين اللبنانيين يعيشون في فقر نقدي. وقد حذّر برنامج الأغذية العالمي من أن نحو ربع سكان لبنان يواجهون انعدام الأمن الغذائي.
الأبعاد الإقليمية والدولية: لعبة القوى الكبرى
نظرية التبعية والهيمنة
يمكن تطبيق نظرية التبعية (Dependency Theory) التي طوّرها كل من راؤول بريبيش وأندريه غوندر فرانك، لفهم موقع لبنان في النظام الإقليمي. فلبنان، بوصفه دولة صغيرة ومجزأة، أصبح ساحة لصراع القوى الإقليمية والدولية، وخصوصاً الصراع بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل.
تشير وثيقة مذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران إلى أن “مستقبل حزب الله، وحسابات إسرائيل الأمنية، وقدرة الدولة اللبنانية على استعادة السلطة، انتقلت إلى مركز المعادلة الإقليمية الجديدة”. وقد لجأت إيران إلى توجيه ضربات صاروخية مباشرة ضد إسرائيل في 7 يونيو 2026 رداً على القصف الإسرائيلي لبيروت، “في محاولة لإثبات أن أمن مراكز القيادة اللبنانية مرتبط بشكل مباشر بإطار الردع الإقليمي الخاص بها”.
الإطار الثلاثي وتداعياته
شكّل التوقيع على الإطار الثلاثي بين لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة في 26 يونيو 2026 محطة فارقة. ومع أن الاتفاق مثّل “اختراقاً ملحوظاً نحو السلام”، كما وصفه معهد الشرق الأوسط، فإن تنفيذه يواجه عقبات جسيمة، أبرزها رفض حزب الله نزع سلاحه وعدم قدرة أي حكومة لبنانية على فرض ذلك.
و يبدو جليا ً من أن “فصل واشنطن المتعمّد للصراعات منح إسرائيل حرية عمل أكبر في لبنان”. كما أشار إلى أن إسرائيل “رسّخت منطقة عازلة في جنوب لبنان بعمق حوالي 8-10 كيلومترات”.
استشراف مستقبل لبنان
سيناريو استعادة السيادة
يمثل هذا السيناريو الخيار الأكثر تفاؤلاً، حيث تتمكن الدولة اللبنانية من استعادة احتكارها للعنف عبر نزع سلاح حزب الله تدريجياً، بالتعاون مع المجتمع الدولي. وقد أشار معهد الشرق الأوسط إلى أن “الغالبية من اللبنانيين، بمن فيهم أعداد متزايدة من الشيعة، يريدون الآن رؤية حزب الله منزوع السلاح وإيران مطرودة”.
ويقول المحللون إن “استعادة السيادة اللبنانية من خلال نزع سلاح حزب الله” من شأنها أن تزيل العقبات أمام السلام بين لبنان وإسرائيل. وقد وضعت حكومة سلام خطة ما بعد الحرب تركّز على “ربط عودة النازحين، والمساعدة الإنسانية، والحماية الاجتماعية، والتعافي السريع، واستعادة الخدمات الأساسية، والتحضير لإعادة الإعمار”.
سيناريو الجمود المطول
هذا هو السيناريو الأكثر ترجيحاً في المدى المنظور، حيث يستمر الوضع الراهن من جمود سياسي وانهيار اقتصادي وتوتر أمني. وقد قدّر البنك الدولي تكاليف إعادة الإعمار والانتعاش بـ 8.5 مليار دولار، لكن تحقيق هذا الرقم يتطلب استقراراً أمنياً وإصلاحات سياسية لا تبدو وشيكة.
وتشير تقديرات إلى أن “أي انتعاش مستدام سيعتمد على إعادة هيكلة شاملة للديون السيادية، وميزانية مصرف لبنان المركزي، والقطاع المصرفي التجاري”. غير أن هذه الإصلاحات تصطدم بالعقبات السياسية نفسها التي تسببت في الأزمة.
سيناريو التقسيم أو الفيدرالية
تطرح بعض الأوساط اللبنانية، وخصوصاً المسيحية، فكرة تحويل لبنان إلى اتحاد فيدرالي من كانتونات طائفية. لكن معهد المركز العربي في واشنطن يحذّر من أن “الفيدرالية من شأنها أن تعمّق التوترات الطائفية في لبنان”، مشيراً إلى أن الدعوات إلى الفيدرالية هي “نتاج الدور المفرط لحزب الله وحركة أمل، الفاعلين السياسيين المهيمنين في الطائفة الشيعية”.
العامل الخارجي: الدور الأمريكي والخليجي
يلعب المجتمع الدولي، وخصوصاً الولايات المتحدة ودول الخليج، دوراً محورياً في تحديد مستقبل لبنان. وقد أشار معهد الشرق الأوسط إلى أن “القيادة الأمريكية يمكنها طرد إيران من لبنان” في ظل اللحظة الراهنة التي تشهد “ضعفاً حاداً في قدرة إيران على إسقاط قوتها إقليمياً”. لكن ذلك يتطلب “دعمًا أمريكيًا مستدامًا يجمع بين التوقعات الواضحة والمساعدات السياسية والاقتصادية والأمنية المستهدفة لنزع سلاح حزب الله وتنفيذ الإصلاحات”.
من هنا يرى أن لبنان اليوم يمثّل مختبراً حياً لأكثر إشكاليات علم السياسة وعلم الاجتماع السياسي تعقيداً: أزمة الدولة والمجتمع المدني، التوتر بين الهويات الطائفية والمواطنة، صراع المحلية والعالمية، وأزمة النموذج التنموي الريعي. فالدولة اللبنانية، التي ولدت ككيان هشّ بتوافق طائفي، تجد نفسها اليوم أمام اختبار وجودي.
إن مستقبل لبنان يتوقف على عوامل متشابكة: قدرة النخبة السياسية على تجاوز منطق المحاصصة الطائفية نحو دولة المواطنة، استعداد المجتمع الدولي لدعم إصلاحات هيكلية حقيقية وليس فقط إغاثة طارئة، وإمكانية تحييد لبنان عن صراعات القوى الإقليمية. كما لاحظ رئيس الوزراء نواف سلام، فإن لبنان يمتلك “إمكانات اقتصادية وبشرية كبيرة يمكن أن تمكّن من تعافٍ أسرع مما يتوقّعه الكثيرون”. لكن تحقيق هذه الإمكانات يقتضي تجاوز عقوداً من الفساد، والطائفية السياسية، وإرث الحرب الأهلية، وانتهاكات السيادة، والتوظيف الخارجي للأرض اللبنانية.
في التحليل النهائي، يبقى لبنان أمام خيارين لا ثالث لهما: إما أن ينخرط في مسار تحول جوهري نحو دولة مدنية ديمقراطية تحترم التنوع وتحتكر العنف، أو أن يستمر في مسار التفكك التدريجي حتى يصبح مجرد “كيان” هشّ تتصارع عليه القوى الإقليمية والدولية، وتتآكل مقوماته الوطنية تحت وطأة الانهيار الاقتصادي والاجتماعي. إن لبنان اليوم ليس في حالة حرب شاملة، لكنه بالتأكيد ليس في سلام. وهذا الوصف يلخّص بإيجاز مأساة لبنان المعاصر: دولة عالقة بين السلام والحرب، بين الدولة والميليشيا، بين المواطنة والطائفة، بين السيادة والتبعية.