اللوحة، عند عزيزة، ليست مجرّد تكوين بصري، بل كيان نابض بالإحساس والانفعال. فالانفعالية ليست مجرّد أسلوب، بل هي جوهر الإبداع، وشرط التعبير الحقيقي..!/ بقلم د. رويدا مصطفى الرافعي
رسم رويدا الرافعي، فحم على كونسون مقوى
محمد عزيزة من جيل الفنانين الذين انطلقوا في مطلع السبعينيّات، وهو من خريجي معهد الفنون الجميلة الذين أسّسوا نقطة تحوّل فنيّة، ليس في الشمال اللبناني فحسب، بل على امتداد الساحة الثقافية العربية. شكّل مع “تجمّع الفنّانين العشرة” في طرابلس ظاهرة فنيّة ذات أثر فعّال، ساهمت في ترسيخ حضور الفن التشكيلي في المشهد الثقافي العربي. هو فنان ملوّن ومصمّم، عاشق للمناخات التعبيرية. لا تكمن أهميّته فقط في كونه رسّام مناظر أو شاعرًا للّون، بل في كونه صاحب مزاج فنّي خاص، ونبرة تشكيلية متميّزة تجمع بين الواقعي والتجريدي بأسلوب يحمل الحلم، والشفافية، والرؤية الجمالية. تبرز في أعماله، المولع بالشعر والمنطق معًا، دقّة عالية، نقاوة في التكوين، وإيجازية لافتة. لا يكتفي بنقل الطبيعة، بل يُجري عليها تحوّلات واعية، تخلق حقيقة جديدة، نابعة من داخله. تجربته في اللون ليست تجريبًا سطحيًا، بل دراسة حسّية ومنطقية للقيَم اللونية، يُوزّعها بتراتبية منظّمة على السطوح، محافظًا على رَشاقة الخط، وطاقته الدينامية، وعلى تأليف بصريّ منسجم، خالٍ من أيّ تثاقل أو زوائد.”
مرّت تجربة محمد عزيزة الفنيّة بعدّة محطات أساسية، حاول من خلالها أن يثبت تفرّده داخل كورال جماعة “الفنانين العشرة”، دون أن يتنازل عن انتمائه لهم. كانت بدايته مع مرحلة – مضارب الخيام – عام 1973، حيث استلهم فيها رمزيّة البداوة ومفاهيم الرحيل واللجوء، في تعبير مبكر عن قلق الهوية. ثم انتقل عام 1977 إلى مرحلة – استلهام العناصر الزخرفيّة العربيّة – باحثًا في البُعد الحضاري والجمالي للتراث، ومُعيدًا تشكيله برؤية معاصرة. لاحقًا، دخلت أعماله في صلب الواقع السياسي اللبناني، إذ ارتبطت مواضيعه بإيحاءات الأحداث الدامية التي عصفت بالبلاد لسنوات طويلة. فكانت مرحلة – الحرب الأهليّة اللبنانيّة – أكثر المراحل مأساويّة وحدّة، واتّسمت لوحاته خلالها بخلفيّات ضبابيّة تعبّر عن ضياع الحلم وضبابيّة المستقبل العربي. بعد الحرب، وتحديدًا منذ عام 1998، شهدت أعماله تحوّلًا لافتًا باتجاه – الزهر والطبيعة – حيث ركّز على رسم الزهور لما يقارب العقد من الزمن. لم يكن ذلك انسحابًا من الواقع، بل ردّة فعل عكسيّة على العنف والدمار، عبّر عنها بعفويّة لونية ومزج بين التعبيريّة والتجريد. الزهرة، لديه، لم تكن رمزًا للزينة، بل فعل مقاومة صامت، ومجالًا للبوح الحالم وسط الخراب.
ثمَّ جاءت حرب تموز 2006 فصدَمتهُ مجدّدًا، هزَّت كيانه ووضَّحت رؤيته، فأخذ الفنّان يشعر بأنَّ أعماله السابقة لم تَعُد تُشبِع رغباته التعبيريَّة، في وقتٍ كان الفنّان يعيش مرحلة المَخاض العسير، ومرحلة التشرُّد والدَّمار والموت، يعيش المؤامرة التي تُرتكَب في حقِّ وطنه وأرضه. فجاءت لوحاته في مرحلته الرابعة – حرب تموز – مكتوبة بريشة حادّة، كأنّها سكين تشقّ السطح لا لتؤذيه، بل لتكشف أعماقه. الخطوط فيها كانت أكثر حضورًا من الألوان، والكلمة – بنَفَسها الأدبي- أقوى من الشكل، تُدوّي بصوتٍ داخليّ يتجاوز الرسم إلى نوع من النشيد البصري. أما المرحلة الخامسة من تجربته، مرحلة – الطبيعة اللبنانية – فامتدّت حتى الرمق الأخير من حياته. اتّسمت هذه المرحلة بحيوية عالية، ديناميكية داخلية، ودراما لونية صاخبة. كان يطرح في لوحته تشكيلاً خاصًا يُعالج بأسلوب متفرّد، ينزاح بين الواقع والتجريد، بين الحركة والسكون، بين الضوء والظل، وبين الكتلة والفراغ. كما اعتمد عزيزة في بناء تشكيل مرحلته تلك، على هندسات مرئية وأخرى خفيّة، كأنّها خرائط فلكية تُقرأ بالبصيرة لا بالبصر، تتحرّك وفق إيقاع لونيّ هادر، أشبه بكرنفال بصريّ يفيض بالألوان وانعكاساتها الكريستالية. كانت عينه الفنية بمثابة “عين سرابية”، تلامس الواقع والأثير معًا، تحوّل اللوحة إلى فضاء حلميّ، يتجاوز الشكل إلى الشعور، ويتجاوز اللون إلى المعنى.
لقد غيّرت الأحداث السياسيّة الأخيرة التي جرت في لبنان، والتي ما زالت مستمرّة في غزّة والدول العربيّة المجاورة، الكثير من المفاهيم المتعلّقة بالتحالفات، وحبّ المواطنة، والانتماء، لتعيد رسم أولويّات الشعوب وتكشف هشاشة بعض القناعات التي طالما اعتُبرت راسخة. كما انعكس هذا التحوّل على الأساليب الفنيّة بطبيعة الحال، إذ اتّخذت عند الفنان عزيزة بُعدًا تعبيريًّا شرسًا، متوتّر الإيقاع، وسقطت حالة التجاوب الهادىء مع اللوحة، حيث لم تعد اللوحة مجالًا للتجاوب الهادئ، بل أصبحت ساحةً لصرخة لونية عنيفة. وفي مراحله الأخيرة، بات اللون الأسود، ومعه الألوان الغامقة، يتصدّر لوحاته، مدفوعًا بحركة عنيفة تنبض بالرفض والمواجهة. لم تعد الريشة تداعب السطح، بل بدت كأنها تُقاتل، تُصارع الصمت، وتواجه العبث. وكأنّ محمد عزيزة، في خضمّ هذا التوتّر البصري، كان يشعر بقرب الرحيل… أو يتنبّأ به، فراح يُحمّل لوحاته الأخيرة خلاصة روحه، ويُلوّن بها الوداع على طريقته الخاصة، تلك التي تجمع بين الصرخة والسكينة، بين العتمة والنور.
برحيل الفنان محمد عزيزة، تُطوى صفحة من صفحات الفن التشكيلي العربي، لكنها لا تُغلق. فصوته ما زال معلّقًا في الخطوط الحادّة، وألمه مختبئ في ضربات اللون، وأحلامه ترفرف بين التجريد والواقع. عاش حياة مليئة بالمخاضات، عبّر عنها بصدق نادر، وبأسلوب لا يشبه إلا ذاته. لم يكن رسّامًا عابرًا، بل كان ذاكرة بصرية لوطن ينكسر ويقوم، لحلم لا يموت، ولجمال يولد من الرماد. رحل محمد عزيزة، لكن ريشته لم ترحل؛ باقية في زهراته، في سواد لوحاته، في رنين خطوطه، وفي قلوب من عرفوه فنانًا، وأحبّوه إنسانًا!.




