ندوة حول كتاب نيتشيه وفلسفة القوة لمؤلفه البروفسور د . ريمون غوش /الجامعة اللبنانية فرع الأول قاعة نزار الزين برعاية عميدة كلية الٱداب والعلوم الإنسانية في الجامعة اللبنانية الأستاذة الدكتورة سهى الصمد وبحضور رئيسة مركز الأبحاث والدراسات الأدبية الأستاذة الدكتورة ماغي عبيد بالتعاون مع اللجنة الثقافية وقسم الفلسفة في كلية الٱداب والعلوم الإنسانية في الفرع الأول. تم عقد ندوة حول كتاب “نيتشيه وفلسفة القوة” للدكتور ريمون غوش . أدارت الندوة رئيسة قسم الفلسفة الدكتورة ديانا حدارة، وقد تحدث في الندوة كل من: البروفسور عفيف عثمان والبروفسور جهاد نعمان والبروفسور ماغي عبيد ثم تحدث البروفسور ريمون غوش وقدم شرحا حول مضمون الكتاب عن فلسفة القوة عن السياسة وعن مفهوم الدولة بشكل مقتضب بحضور عدد من الأساتذة والطلاب وقد اعقب ذلك مناقشة بين الحضور والمحاضرين

برعاية عميدة كلية الٱداب والعلوم الإنسانية في الجامعة اللبنانية الأستاذة الدكتورة سهى الصمد وبحضور رئيسة مركز الأبحاث والدراسات الأدبية الأستاذة الدكتورة ماغي عبيد بالتعاون مع اللجنة الثقافية وقسم الفلسفة في كلية الٱداب والعلوم الإنسانية في الفرع الأول تم عقد ندوة حول كتاب “نيتشيه وفلسفة القوة” للدكتور ريمون غوش .
أدارت الندوة رئيسة قسم الفلسفة الدكتورة ديانا حدارة، وقد تحدث في الندوة كل من: البروفسور عفيف عثمان والبروفسور جهاد نعمان والبروفسور ماغي عبيد ثم تحدث البروفسور ريمون غوش وقدم شرحا حول مضمون الكتاب عن فلسفة القوة عن السياسة وعن مفهوم الدولة بشكل مقتضب وذلك بحضور حشد من الاساتذة والطلاب ومن ثم فقرة حوار ومناقشة قيّمة حول المداخلات والردود عليها واستمرت الندوة قرابة الساعة ونص الساعة في جو علمي مشهود.

نيتشه وفلسفة القوة

وراء كل حالة بشرية مفكرون يسيرونها كما يشاءون، وقد يتوسلون طرقا معوجة لاهدافهم. ولليهود نهوج لبلوغها لا يبالون إذا كانت منطقية ام لا، واضعين نصب أعينهم مبدأ رسمه لهم اجدادهم حكماء صهيون، اي ان الغاية تبرر الوسيلة. يسترقون السمع فينتقدون ويدافعون عن اهدافهم.
في كتاب “نيتشه وفلسفة القوة” لريمون غوش، الصادر للتو عن دار النهار، نستشف هذا الواقع كما فعل ماركس الذي فرض مكانة اليهود عبر الثورة البولشفية. والثابت ان اليهود اغتالوا العقل الأوروبي قبل اغتصاب فلسطين. فهل هذه مجرد صحراء قاحلة فجاء اليهود ليعمروها؟
ما يطمئن ان الكاتب الفيلسوف يضع عناوين فصوله تحت العنوان، والمعروف ان الاستاذ الجامعي كبير بعلمه ومروءته ذو عبارة رقيقة وأسلوب سهل ممتنع. وقد جاءت فصول كتابه رافلة بالجدة والإبداع، وهي صادرة عن مفكر المعي مدقق ذي جرأة نادرة وحجة دامغة. تعهدها بعطاء يديه ورعاها بنور مقلتيه وغطاها بعصارة دماغه وبقطرات من عرقه.
الرغبة في القوة تتوق إلى السيطرة بلا حدود. انها قوة متفلتة واوقيانوس في هيجان يحرك الكون برمته. يهدم البنى القديمة لينشئ بنى جديدة لا يعتبرها بنى، وينتج عودا أبديا شأنه ان يضاعف شحنة حياة واحدة إلى ما لا نهاية، ما يبرر الاستجابات الوجدانية الشديدة.
الرغبة في القوة هي ما يميز الإنسان المتمسك بارادة الاقتدار. انها طاقة مبدعة ومدمرة معا كما شاء بعض فلاسفة الشرق الأقصى الذين اكب عليهم نيتشه. هذه الطاقة تحرك كبار المبدعين الذين يكسرون أغلال قيم العالم القديم ليتجاوزوا انفسهم، ما يجسد الإنسان المتفوق.
أمامنا نظرة موضوعية ونقدية إلى فلسفة القوة هذه، التي تعارض الميتافيزيقا والدين والأخلاق، وهي انبثقت من تألم الإنسان ويأس من الحياة، والتقليل من قيمة العالم الحسي والجسد، فطفق الإنسان يرى الحقيقة في “عالم آخر” يزعم انه العالم الحقيقي الثابت والدائم. هكذا نلاحظ مع الكاتب ان قيم الخير والحق…تتجذر لدى نيتشه في الحقد والاستياء لدى النفوس الضعيفة العاجزة عن الإبداع، وكأن نيتشه يعزز واقع السيد والعبد فيتنكر للفلسفات كلها ومفهوم الطبقية وحتى المسيحية. لذا، يعلن صاحبنا “موت الله”!
لم يدع الكاتب الفذ جانبا اساسياً من محور موضوعه الا وفككه ليتناوله بالنقد. في إطار موضوعه، يرى، وهو محق في دعواه، ان نيتشه يحل الجسد محل العقل. هنا ايضا يستخدم نيتشه مخزون اطلاعه على الفلسفات القديمة ولو معدلة ليعتبر أوروبا “جسدا” موحدا بالقوة…
يبقى نيتشه وليد معارفه وعصر الانوار، وموت الله ذاك قادنا معه إلى “الإنسان الأخير” الذي يسعى ويناضل بلا رادع. ألا يقودنا هذا في العمق إلى “موت الإنسان” كما جاء في كتابي بالفرنسية “من موت الله إلى موت الإنسان”(١٩٧٦)؟
دأب كاتبنا المخضرم في تدبيج أبحاثه المتكاملة على افضل وجه وانبل قصد، فقابل نيتشه بهيغل وهيدغر وسقراط. وبعد ان التهمت سفره النفيس دفعة واحدة، رايت انه شدد على نزعة نيتشه المضمرة إلى العنصرية بغطاء وحدوي للقارة العجوز. ولربما لذلك الغطاء يعتبره بعضهم “يهودي اليهود”…
لكي يتجلى للنابغة اثر جليل في كل تحول عالمي، ينبغي ان يتمتع بارادة لإجراء ذلك الأثر، فهل نعم نيتشه رغم مصاعبه بهذه الإرادة؟ هل وجد من ذاته ومن ثقافته الواسعة مقدرة على اتيان ذلك الأثر؟ ألقى الكاتب في نبذة حياة نيتشه الأضواء على ما هيأه المنشأ الذي ولد فيه والأجواء التي عاش في وسطها والمعارف التي تلقنها والتربية التي تهذب طبقا لاصولها ، لإنشاء عمارة فلسفية تتنكر لكل عمارة(؟!). وعندي ان العقل يبقى جرثومة الحروب والصراعات ولا سيما عندما يسخر عن خبث او حاجة المعطيات الغريزية والعنصرية لدى شعب ما فيجعله بلا مأمن مما قد يصيبه من ضرر. ولست ادري نوايا نيتشه الحقيقية من هذا القبيل.
أزف إلى جمهرة القراء وأولي الشأن هذا السفر الذي اعتمد فيه واضعه على المراجع والبراهين المنطقية والوضوح. للمثقف بفضله ان يقول مهما كان رأيه في فلسفة القوة والحياة: أنا بدء الثورة الحقة. أنا بكر التاريخ. أنا عصفور في رحب السماء. أنا سنان رمح العصر. وهنا نبوءة، والمبدع وحده هو من يتنبأ، والا ما كان للمتنبي، شاعرنا الأضخم في الشعراء، ان يتنبأ، وان نردد، من بعده، هذا البيت او ذاك من شعر نبوءته، التي هي حكم تعلو على الحكم، في كلمات تعلو على الكلمات.
كنت أوثر ان يلج نيتشه معضلة الأسرة التي هي في الميزان، وكذلك عداوة الرجال للنساء، ما مهد لتفكك اواصر المجتمعات في هذه الأيام ، ومرده إلى عدم كنه ماهية القوة. ظلت أفكاره عموما تعكس ازدواجيات قاتلة تتفاقم اليوم في ظل عولمة مشبوهة.فان كنا من فريق المتفائلين رأينا ان نيتشه يؤيد قوة القانون وان كنا من فريق المتشائمين راينا انه فيلسوف السلطة والتسلط. المتفائلون يعتبرون انه فيلسوف النخبوية والعولمة الهنية والمتشائمون يذهبون إلى انه فيلسوف العنصرية والإقصائية وما اليهما. ريمون غوش، له في الفضل فضل، ذلك ان دور الفلسفة الأساسي يكمن في إجادة طرح الإشكاليات اكثر منها في ايجاد الحلول العملانية، ولقد أجاد ايما إجادة في غمر التفاهات والترهات. فالشكر له!

د. جهاد نعمان

(مركز النهوض)/محاضرة
وذلك بحضور حشد من الاساتذة والطلاب ومن ثم فقرة حوار ومناقشة قيّمة حول المداخلات والردود عليها واستمرت الندوة قرابة الساعة ونص الساعة في جو علمي مشهود

في صحبة نيتشه
د. عفيف عثمان

نمضي هنا معاً في صحبة هنيّة مع كتاب د. ريمون غوش “نيتشه وفلسفة القوة”، الصادر عن دار النهار (2025)، (في 160 صفحة) وهو دراسة جديدة في فكره ، مع التركيز على مفهوم “إرادة القوة” ( أو “الإقتدار” أو “المقدرة”)، وتطبيقاتها في عدة مجالات مثل الحقيقة، الجسد، العود الأبدي، السياسة، العدالة، الحقيقة، والسياسة.
والكتاب في سبعة فصول يغطي على نحو شامل (تقريباً) مفاصل فلسفة نيتشه : الفصل 1: نيتشه والمتفوق والعود الأبدي. الفصل 2: نيتشه والجسد. الفصل 3: الحالة الدينية ( حول المسيحية ونقدها). الفصل 4: فلسفة القوة (مرتكزاتها..). الفصل 5: نيتشه والحقيقة . الفصل ف 6: نيتشه والعدالة. الفصل 7: نيتشه والسياسة.
والسؤال الرئيس: هل نحن في حاجة الى دراسة أخرى حول نيتشه (1900 – 1844)، والإجابة عند الفيلسوف الألماني نفسه، الذي يقول إن فلسفته للمستقبل وللأجيال القادمة، وهي في عوز لمن يشرحها ويزيل سوء الفهم عنها، فهي بعبارة أخرى “غير واضحة المعالم”.
يقول “فيلسوف المطرقة” في تقديمه “لأصل الأخلاق وفصلها” (أو نسب الأخلاق، أو جينالوجيا الأخلاق بترجمة فتحي المسكيني): “صحيح انه ينبغي من اجل رفع القراءة الى مرتبة تجعلها فناً من الفنون، ان يمتلك المرء قبل كل شيء تلك الملكة التي طمسها النسيان اليوم طمساً تاماً – ولهذا سينقضي وقت على كتاباتي قبل ان تصبح ” قابلة للقراءة” – تلك الملكة التي تقتضي ان يكون للمرء طبيعة كطبيعة البقرة، لا ان يكون له طبيعة “الانسان الحديث”: واعني بها ملكة الإجترار”. سيلزاماريا ، انغادين العليا ، تموز 1887. (ترجمة د. حسن قبيسي، 1981. ص 17).
وعلينا أن نضع في الإعتبار أن الفلسفة الغربية المعاصرة تدين لثلاث قامات فكرية كبيرة: نيتشه وماركس وفرويد. وقد قام الفرنسي ميشال فوكو (1984 – 1926) برصد هذا التأثير في كتاب:” نيتشه، فرويد، ماركس: جينيالوجيا المعرفة” .
وكي ندرك مقاصد نيتشه جيداً يتوجب علينا فهم العنصرين الحاكمين لرؤيته، وأقصد “الأبولوني” (نسبة الى Apollon) و”الديونيزي” (نسبة الى Dionysos). وهما مفهومان أساسيان في فلسفته، يمثلان وجهتين مختلفتين للطبيعة الإنسانية والثقافة اليونانية القديمة.
المبدأ الأبولوني: يمثل العقل، والنظام، والوضوح، والإدراك، والفن النقي، والقوة البصرية. ويعتمد على الرؤية المحدودة، والأشكال الهندسية، والهدوء، وضبط النفس، وتعبير الفرد عن نفسه. ويمثل أبولون، إله الموسيقى والشعر في الأساطير اليونانية.
المبدأ الديونيزي: يمثل العاطفة، والنشوة، والفوضى، والغموض، والقوة الصوتية، والإحساس بالتواصل العميق. ويعتمد على الرؤية المطلقة، والأشكال غير المنتظمة، والاندماج مع الآخرين، والتحرر من الذات. ويمثل ديونيزوس، إله النبيذ والمسرح في الأساطير اليونانية. ويُستخدم لتفسير تجربة الفن، والاندماج مع الطبيعة.
العلاقة بينهما: يتعارضان ويعملان معًا، ويشكلان أساسًا للفن، والثقافة اليونانية القديمة. والجمال الذي نراه هو نتيجة لتفاعل هذين المبدأين.
في المأساة اليونانية، يمثل المبدأ الديونيزي البداية، ويمثل المبدأ الأبولوني النهاية.والتوازن بينهما يمثل الجمال والفن الحقيقيين.
وقد تم تفسير فكرة نيتشه على أنها تعبير عن الوعي المجزأ أو عدم الاستقرار الوجودي من قبل مجموعة متنوعة من الكتاب المعاصرين وما بعد الحداثيين، وخاصة مارتين هايدجر(M. Heidegger) وميشيل فوكو (M. Foucault) وجيل دولوز(G. Deleuze). ووفاقًا للفيلسوف الألماني بيتر سلوتردايك (P. Sloterdijk)، فإن الديونيزي والأبولوني يشكلان جدلية، فهما متناقضان، لكن نيتشه لا يقصد أن يتم تقدير أحدهما أكثر من الآخر. ويتحدد وجودنا من خلال الجدلية الديونيزسية / الأبولونية.
يرى الراحل د. جورج زيناتي (2021 – 1935)، أنه” يمكن اختصار فكره في وجهين : العدمية الشاملة الكاملة التي تريد هدم الأخلاق والفلسفة والدين والعلم كذلك، وشتّى المؤسسات حتى الفكر السياسي القائم على العدالة والديمقراطية، وكل هذا خرج من كتابه الأول كما سنرى، ثم الحل الذي يراه، وقد خرج من حلمه أو رؤياه أو ظهور العود الأبدي، وبراءة الصيرورة أمامه، وهو في مكان مرتفع .
“مفهوم الإرادة”
تأثر نيتشه في شبابه، في شكل كبير بالفيلسوف آرثر شوبنهاور (A. Schopenhauer) (1860 – 1788)، الذي صاغ نظرية تقول إن “الإرادة” هي القوة الأساسية التي تحرك التغيرات في هذا الكون. فبالنسبة له، كانت “إرادة الحياة” هي المحرك الرئيسي للرغبة في البقاء على قيد الحياة”، ولكنه اعتبرها مصدراً للألم والمعاناة المستمرة، إذ إن هذا السعي الدائم لا ينتهي إلا بالحرمان، أو الإشباع المؤقت الذي يتبعه شعور جديد بالنقص.
رغم إعجاب نيتشه بفكرة الإرادة نفسها، لم ترُق له نظرية “إرادة الحياة” كما صاغها شوبنهاور. هذا النقد ألهمه تطوير مفهومه الخاص عن القوة الدافعة وراء التغيير، والذي برز في كتاباته المبكرة التي تناولت بشكل متقطع فكرة “الإرادة” كعامل فاعل في الأشياء. وفي حلول نهاية القرن التاسع عشر، صاغ مفهوم “إرادة القوة”، و بات جزءاً محورياً في فلسفته. في “هكذا تكلم زرادشت”(كتاب للجميع ولغير أحد)، بلور هذه الفكرة في فقرة “في التغلب على الذات”، حيث يكتب: “ليس للعدم إرادة، لكن ذلك الذي هو موجود كيف له أن يطلب الوجود؟ فقط حيث توجد حياة، هناك أيضاً إرادة: لا إرادة للحياة، ولكن – كما أعلمكم – إرادة القوة!” (بترجمة فليكس فارس(1938) ، ص 145 (طبعة هنداوي، 2012)، وثمة ترجمة أخرى للتونسي علي مصباح، دار الجمل، 2007. ص 229).
فلم تعد إرادة الحياة بالنسبة له مجرد سعي للبقاء كما تصورها شوبنهاور، بل أصبحت القوة الدافعة التي تحفز الكائنات الحية على السعي لتحقيق التفوق، والإبداع، والتغلب على العقبات، وحتى المجازفة بكل شيء من أجل بلوغ مستويات أسمى من الوجود.
فلسفة القوة
أصاب د. غوش في عنونة كتابه “فلسفة القوة”، فنيتشه عمليًا هو فيلسوف القوة، وفي بعض الترجمات “الاقتدار”، إذا اعتبر إن الصراع هو الأساس، فهو يقوي القدرات، وهو جوهر الحياة والعنصر الأساسي فيها. وإرادة القوة هذه (أو الاقتدار) “تقوم على الغرائز والجسد، فالأفكار لا توصل إلى اليقين، إذ الجسد هو محور أي معرفة حقيقية، والغريزة الفجة هي مصدر أي حقيقة” ( غوش، ص 67).
ففلسفة القوة تستند عند نيتشه الى عدم الإقرار بكل الحقائق التي أتت بها الأديان والأيديولوجيات ومفاهيم العدالة والسياسة القائمة والسائدة، فهو لم يؤمن إلا “بفلسفة حياتية مادية وعيش الإنسان على الأرض ضمن نظرة وجودية آمنت بمبادئ القوة واللذة والسلطة، وتنكرت للمبادئ القيمية والأخلاقية” (غوش، ص 68).
واعتبر إن “فلسفة القوة” هي التي تحدد سلوك الفرد، وهذه الإرادة، أي إرادة الاقتدار، لا “تتحقق إلا في الإنسان الأعلى أو المتفوق، الذي في مقدوره أن يتجاوز الصعاب وأن يحقق المطلق في الحياة التي يصبو إليها” (ص 70). وهذه الإرادة تظهر تقريبًا عند كل الناس من خلال النزعة إلى الحرية، فهي تظهر عند المسحوقين من البشر: “قد تيقنت وجود إرادة القوة في كل حيٍّ، ورأيت الخاضعين أنفسهم يطمحون إلى السيادة، لأن في إرادة الخاضع مبدأ سيادة القوي على الضعيف، فإرادة الخاضع تطمح إلى السيادة أيضًا لتتحكم فيمن هو أضعف منها، وتلك هي اللذة الوحيدة الباقية لها فلا تتخلى عنها” (هكذا تكلم زرداشت، ترجمة فليكس فارس (1938)، ص 144 (طبعة هنداوي، 2014)). كما وتظهر عند الأكثر غنى وقوة، وترتدي ونتعرف عليها من خلال مسميّات: “البطل” أو “النبي” أو “القيصر” أو “المخلص” أو “الراعي” ( غوش، ص 70). وينتقد د. غوش فلسفة القوة التي نادى بها نيتشه لأنها تطيح بمبدأ المساواة بين البشر وتتنكر لكل فلسفاتها القائمة عليها (غوش، ص 81).
وقد تناول جيل دولوز مسألة إرادة القوة بتحليل مفصل في كتاب “نيتشه والفلسفة” ليلقي الضوء على هذا المفهوم الذي غالبا ماتم تأويله أو فهمه فهماً سيئاً. فغالبا ما أخذ مفهوم الإرادة على أنه إرادة أحد ما أو هي فعل فاعل يريد وكأن الإنسان هو الذي يريد في حين أن الإرادة نفسها هي التي تريد، وحدها إرادة القوة هي ما يريد، إنها لا تترك نفسها تنتدب أو تُسئلب في موضوع آخر، حتى إن كان القوة.
في العدالة
وادى إيمان نيتشه بمبدأ القوة الى جعله لا يقيم وزنًا كبيراً للقيّم والفضائل، ومنها مسألة العدالة التي اعتبرها خرافة ابندعها الفلاسفة . فهو يتبنى الموقف السفسطائي اليوناني الذي يبرر القوة ويعطي ويقدم مبدأ “الحق للقوة” أو “الحق للأقوى”، فردًا كان أم دولة، فهو بهذا الخصوص يناقض سقراط وأفلاطون في مفهومهما للعدالة الذي يقوم على التساوي والقانون. فهو يقف إذًا ضد الشرائع التي تنادي بالعدل، وهو لا يقر إلا بنوعين من الأخلاق: أخلاق السادة وأخلاق العبيد، وهو طبعاً من جماعة أخلاق السادة.
فعنده، أي في نظر نيتشه، لا يمكن أن تقوم العدالة إلا بين أفراد متساويّن، وبالتالي هو لا يقر منطقها الراغب في جعل الأفراد غير المتساويّن متساويّن. والحال أن نيتشه لا يعترف بالقانون ولا بسلطته، بل جعل مبدأ القوة هو أساس العدل، فالقانون كما يقول د. غوش “يحبط من طموح الدولة ويجعلها رتيبة، ويجعل الأفراد يقنطون ويرضون بعيش محدود. فتستكين عندها الدولة إلى الأسوار وليس إلى قوة الجند والحامية” (غوش، ص 122).
وينتهي د. غوش في بحثه عن العدالة عند نيتشه إلى القول بأن هذا المفهوم لا يوصِلنا إلى العدالة بل يبعدنا عنها. وهو لا يكتفي بنقد فلسفة نيتشه، بل يقدم رؤيته الخاصة الداعية إلى خلق فلسفة جديدة تؤسس لقيام توازن كوني من طريق مقاومة العولمة الخادعة وأهدافها واستراتيجياتها، وذلك من خلال توعية الروح القومية وبعثها من جديد. فهو يدعو إلى عولمة إنسانية تقوم على القيم والفضيلة والدساتير والقوانين والتشريعات العادلة.