خاص النهوض مقالة ترفيهية (لايت) على دفعتين… كتب غسّان حلواني ” زميلي .. و البنزين.. والواتساب.. ” (لا محروقات في البلد)

خاص النهوض
مقالة ترفيهية (لايت) على دفعتين…
كتب غسّان حلواني
” زميلي .. و البنزين.. والواتساب.. ”
(لا محروقات في البلد)

كيف تتحول إشاعة على واتساب إلى حقيقة سياسية؟
مرحلة الحمل …
في لبنان، لا تحتاج إلى دليل أو وثائق أو مصادر موثوقة لتصنع خبرًا سياسيًا يُشغل الرأي العام… كل ما تحتاجه هو مجموعة واتساب نشطة، شخص مبدع في التأليف، و”أبو سراب” الذي سمع القصة من “صديق موثوق”، الذي سمعها بدوره من “مصادر عليا”… والتي، بالمصادفة، لم تُصرِّح بشيء على الإطلاق، و كلمة “صباح الخير” تُرسل قبل الإشاعة لخلق جوٍّ من الثقة بين الأعضاء. مع تذييل الرسالة بـ “معلومات خطيرة جدًا، لكنها لم تُعلَن بعد… لا تشاركوها كثيرًا!”
ولادة الإشاعة من رحم الفراغ …
يبدأ كل شيء برسالة مجهولة المصدر غامضة، تصل إلى مجموعة واتساب عائلية غالبًا تبدأ بجملة: “معلومات مؤكدة من مصادر موثوقة”، وهي ترجمة لبنانية دقيقة لعبارة “من وحي الخيال”. و أحيانًا تتضمن رسالة صوتية بصوتٍ عميق يُوحي بأن المتحدث في غرفة عمليات سرّية، لكنه في الحقيقة في سيارته، عالقٌ في زحمة السير، وقرر أن يسلّي نفسه بخلق خبر يفجر البلد! (لا محروقات في البلد)
يُرسل أحدهم الرسالة إلى مجموعة العائلة، فتردّ الخالة: “عنجد؟ معقول؟ الله يستر!”، ثم تنتشر كالنار في الهشيم بين المجموعات الأخرى، من “شباب البلد”، إلى “المعلم أبو علي والزبائن”، وصولًا إلى “لجنة الأمهات الحريصات” التي تقرر أن تحذّر الجميع عبر نشرها مع تعليق: “انتبهوا يا جماعة، الوضع خطير!”.
فاعل خير
وبما أن اللبنانيين يُجيدون مخالفة التعليمات، فإن أول ما يفعله الجميع هو إعادة إرسالها إلى كل المجموعات، مصحوبةً بعبارة: “ما بعرف إذا هالخبر صحيح، بس حبيت خبركن!”.
وهكذا، تنتقل الإشاعة من مجموعة ” لجنة أولياء الأمور”، وبعدها إلى “نادي الرجال المتقاعدين”، وصولًا إلى “مجموعة موظفي الوزارة”، حيث يتحوّل الخبر إلى “معلومات رسمية شبه مؤكدة .

الإشاعة تصبح قضية رأي عام ..
بعد أقل من ساعة، تكون الإشاعة قد تحولت إلى خبرٍ من الدرجة الأولى، مع إضافة بعض التعديلات عليها لتُصبح أكثر إثارةً. فمثلًا، إذا كان الخبر الأصلي يقول:
“يُحكى عن أزمة بنزين قادمة”
فبعد جولته الأولى على مجموعات الواتساب، يتحول إلى:
“أزمة بنزين خانقة خلال ٤٨ ساعة، والمخزون يكفي ليوم واحد فقط!”
وبعد مروره على مجموعة “سائقو سيارات الأجرة”:
“مخزون البنزين نفد بالكامل، والدولة تخفي الحقيقة!”
وأخيرًا، عندما يصل إلى مواقع الأخبار السريعة، يصبح العنوان:
عاجل: لا بنزين في لبنان! الاستعداد للأسوأ!
وفجأة، ترى طوابير السيارات تمتد على طول الطرقات، والسائقين يتعاركون على آخر ليتر متبقٍ في المحطة، بينما صاحب المحطة يقف مرتاحًا، يراقب الأرباح التي تتضاعف أمامه، ويفكر في الإشاعة التالية التي يمكنه أن ينشرها ليبيع مخزونه المتبقي بسعر مضاعف!
بعد ساعة…
تكون الإشاعة قد انتقلت من واتساب إلى فيسبوك، حيث تُرفق بصورة قديمة من أرشيف الإنترنت لتعطيها مصداقية. في التعليقات، يبدأ النقاش الساخن:
أحدهم يكتب بثقة “هيدي معلومات عندي من شهر، كنت متوقعها!”. طبعًا، هو آخر من يعلم، لكنه يحب لعب دور العرّاف .
آخر يسأل: “هل هناك دليل؟”، فيردّ أحدهم ساخرًا: “انتظر نشرة الأخبار لتتأكد”.
وسائل الإعلام تدخل اللعبة …
عندما ترى القنوات التلفزيونية أن الشارع يغلي، تتحرك فورًا. فالإشاعة الآن ليست مجرد إشاعة، بل “خبر يستحق التغطية المباشرة”!
القناة الأولى تُرسل مراسلها إلى محطة بنزين، حيث يقف أمام طابور طويل من السيارات، يقول بصوت جادٍّ جدًا:
“كما تشاهدون، الوضع كارثي، والمواطنون غاضبون!”
ثم يسأل أحد السائقين، فيجيبه غاضبًا: “صرلي خمس ساعات ناطر! ما في دولة!”
(علمًا أن الأزمة بدأت قبل نصف ساعة فقط) .
بعد ساعات، تصبح القنوات التلفزيونية في سباق محموم ،
قناة معارضة تتبنى الإشاعة وتقدمها كحقيقة: “معلومات خطيرة ومؤكدة عن مؤامرة كبرى!”.
القناة الوحيدة المؤيدة للحكومة تنفيها بشكل غامض يجعلها تبدو أكثر واقعية: “لا تعليق على أخبار غير صحيحة، ولكن الأيام ستكشف الحقائق “أي أنكم ستعرفون الحقيقة عندما نقرر استخدامها ضد خصومنا”.
القناة التحليلية، التي تحاول دائمًا التميّز، تبث تقريرًا بعنوان: “هل البنزين في لبنان مسموم؟!”، وتبدأ فجأة بتغطية نظرية جديدة مفادها أن الأزمة مفتعلة لغرض اختبار نوع جديد من الوقود المُعدل وراثيًا! ثم يظهر “المحلّل السياسي المتفرغ”، وهو شخص لا أحد يعرف كيف ظهر، لكنه يعلق قائلًا: “من الواضح أن هذه مؤامرة دولية لها أبعاد إقليمية مرتبطة بالملف النووي”. وهكذا، تتحول الإشاعة من مجرد “حكي واتساب” إلى تحليلات استراتيجية معقدة.
أما في البرلمان، فيقف مستنوب غاضب ليقول: “لقد حذرنا منذ زمن من هذا الخطر المحدق، وها نحن اليوم نعيش تداعياته!”، رغم أنه لم يكن على علم بالإشاعة حتى وصلته عبر سائق سيارته قبل نصف ساعة.
الحكومة تدخل المشهد…
بعد الضجة الإعلامية، تضطر الحكومة إلى التعليق، رغم أنها بالكاد كانت تعلم بوجود أزمة أصلًا. يُصدر وزير الطاقة بيانًا رسميًا يقول فيه: “لا داعي للهلع، المخزون كافٍ، والوضع تحت السيطرة!”
وهنا، يدرك المواطن أن الأمور خرجت عن السيطرة بالكامل. فكل تصريح رسمي مطمئن يعني، في العرف اللبناني، أن الكارثة حقيقية!
الأزمة تترسّخ …
الآن، وقد تحولت الإشاعة إلى أزمة وطنية، تتدخّل الأحزاب، كلٌّ منها يستغل الموقف لصالحه:
حزبٌ يتهم الحكومة بالفشل، ويطالب بإقالة وزير الطاقة فورًا.
حزبٌ آخر يدعو إلى مظاهرة احتجاجية أمام السراي الحكومي، حيث يتجمّع الناس هاتفين بشعارات حماسية… ثم يعودون إلى منازلهم بعد ساعتين لأن “ما في بنزين” للسيارات.
حزبٌ ثالث يُصدر بيانًا طويلاً معقدًا يتحدث فيه عن الأزمة من منظور “المؤامرة الدولية على السيادة الوطنية”، رغم أن الناس كانوا يطالبون فقط ببنزين ليصلوا إلى عملهم.
الإشاعة تُنسى، لكن الضرر وقع!
بعد أيام، تهدأ العاصفة، ويتبين أن الإشاعة لا أساس لها. لكن الكارثة أنها خلفت خسائر فادحة، البعض خسر أصدقاء بسبب الجدالات حولها، آخرون أصيبوا بالذعر، والحكومة ربما اتخذت قرارًا على أساسها لن تتراجع عنه لأن “هيبتها” على المحكّ.
الواتساب أقوى من الدولة…
هكذا، تتحول إشاعة بدأت في مجموعة صغيرة إلى قرار سياسي، وتحكمنا الرسائل الصوتية أكثر من المراسيم الحكومية. وهكذا، يثبت الواتساب مجددًا أنه أقوى من أي وسيلة إعلامية، وأن الحقيقة ليست سوى إشاعة لم تصل إلى المجموعة الصحيحة بعد !.
يبقى السؤال الأهم:
هل نحن نعيش في دولة؟ أم في “غروب واتساب” كبير، حيث الجميع يكتب، ولا أحد يقرأ، لكن الكل يُصدّق؟