كتب الاديب الكبير الاستاذ مروان مروان الخطيب/الوَردةُ فِكرة…!
…، ها أنتِ، تأتينَ إليَّ من ماء البحر، من اهتزازاتِ ورقصِ القصب الأخضر الماثلِ أمامي؛ تغمرينَ شراييني، تمازجينَ دمي؛ ثم تطيرينَ بي إلى سقف السماء؛
كأنّكِ تَرسمينني – بأمرِ الله – من جديد…..!.
…..، أهتزُّ لذكراكِ الحاضرةِ في كلّ تفاصيلي؛ وأُرغمُ على الصمتِ بعيداً عن مُدَوَّناتِ العقيقِ الراغبة في الوصول الى مداركِ الليلكيِّ…..؛
أسترجعُ في يقظتي المُتَشرِّبةِ مواويلَكِ الخضراء، زمانَ أُمي، وحكايات جدَّتي عن البُرتقال السّاهرِ في بيّاراتِ يافا؛ وكيفَ انهزمَ كيدُ صموئيل في ملحمة «الكابري» قريباً من عكَّا، فطارتِ العصافيرُ مع السنونواتِ، وحلَّقتْ مندغمةً في النشيدِ الفيروزيِّ فوق قلعةِ «جدِّين»، مُذكِّرةً بقطفِ الزُّمردِ وبضوعِ الياسمين، الذي خلَّفهُ لنا المُحرِّرُ «صلاح الدين»…..!.
…..، ها أنتِ، تقومينَ فيَّ خمسَ صَلوات؛ تغسلينني بالوَجْدِ البَخُوريِّ المُنزَّلِ مع ليلة القدر؛ تحوكينَ دموعي بأسرارِ المَرجانِ النائمِ في همسِ المَحارات، تبعثينَ فيَّ الشوقَ الشِّيرازيَّ مُعَلَّقاً في جنَّاتِ بابلَ، ومُطلاً على آياتِ الفَخَّار في دمشق، وسابحاً مع الأماني الممشوقاتِ والأحلام التائقاتِ إلى أعراسِ النّوارس، ودندنةِ النّاياتِ قريباً من الموجِ الصارخ في بيت المقدس…..!.
…..، كأنّكِ أُمّي؛…..، فلم يذهبْ لَبَنُكِ فيَّ هَدَراً، و«عُودُكِ الأسودُ»، أنبتَ في جَناني حروفَ الدَّهشةِ والحَبَق، وقذَفَ إليَّ نُعاساً يغسلُ ذاكرتي من صُور الغِوايةِ، يرسلُها طليقةً في الهضابِ السّاهراتِ مع القمرِ والزّعتر…..!.
…، كأنّكِ أُمّي؛…، فما عادَتْ تُخيفُني الغِيلانُ والكوابيسُ المزروعةُ في وِهادِ الغيابِ، وفي الأصفادِ المُعَدَّةِ للقهر وفي المنافي المُثخنةِ بالهَذيانِ والغثيان…..؛ وكأنّكِ عشبةُ السُّرورِ والحُبور، وتلك الهَدهدةُ اللّصيقةُ بِصرْواحِ بِلقيس وهي تُصلّي فَرْضها خلفَ سليمان؛…..، بل أنتِ ذاكَ الرُّحاقُ الأزهى من زهرةِ اللّوزِ، الأبهى من ألقِ شهرزادَ في الفِتْنةِ التي أبدعها شهريار، والأصفى من قطراتِ النَّدى في الأصباحِ المُستيقظةِ بَعْدَ سمَرٍ مع النُّجومِ والمرايا!.
…..، ها أنتِ؛ تكتبينني ملحمةً تتجاوزُ أوجاعَ الليالي، تحتكُّ في انهمار الضّوءِ قُربَ الضِّفافِ المُكْتَويَةِ بحمضِ الغدْر؛ ثُمَّ تُحيلينني نسْمَةً تلتصقُ بترانيمِ السَّواقي، أملاً بالعودةِ الى النَّهرِ الذي كان بوصلةً الى «الكرملِ» والشَّهدِ الغافي في طشقند…..!.
…..، أسْرِجي ليَ أصيلتي،
عبِّئي ليَ رئتيَّ بحنانكِ المُسْتَرَدِّ من أشراكِ الخيبة، واتركي أنينَ الصّمتِ بعيداً عن خميلتنا…..!.
…..، هيبةُ الزمانِ – يا حبيبتي-، تمتحنُنَا،
تسألُنا، أن نوقدَ جذاميرَ السِّنديانِ، كي نخرجَ من «طواحين الهواء» الى أسفارِ ابن حزم، وإلى كتابِ سيبويه، وإلى «مقدمة ابن خلدون»، وإلى الماورديِّ في «الأحكام السلطانيّة»؛ وتسألنا أن نفرشَ الميدانَ لِرُطبِ النَّخيلِ المُصلِّيةِ في أشعارِ «مروان بن أبي حفصة»، وفي الحِكَمِ الثَّمِلاتِ، العابقاتِ في «مجمع الأمثال» لـ«أحمد بن محمد الميدانيِّ»…..؛ ثم تسألنا أنْ نهبَّ كالجداولِ والسُّيولِ لنشرِ النُّورِ والدفاعِ عن كتابِ الله، وردِّ الضائعينَ عن عقولهم إلى الفطرةِ الأولى التي لم يبتعدْ عنها «العباسُ بنُ الأحنفِ» ونَشَدَ أنسامَها وأنداءَها شاعرُ الرسولِ(ص) «حسَّانُ بنُ ثابت»…..!.
…..، يا التي تَسْكُنُني كماءِ اليقين، وتسبحُ في خلايايَ وذاكرتي…..، ودوماً تسبقُ دمي إلى ميقاتيَ مع دمي…..!.
ها أنذا سنبلةٌ، كهاتيك الشّاهقاتِ إلى النَّدى والمطر، أُلملمُ أحلامي كي لا يسرقها الضّجر،
…..، وأنتظرُ القمر،
ولا يغيبُ عن خاطري بيتٌ جاءَ في «المستطرف في كلِّ فنٍّ مُستظرف»:
«خيالُك في عيني وذكرُكِ في فمي
ومثواكَ في قلبي فأينَ تغيبُ»!؛
…..، وأتذكَّرُ ابن الجزائر، الرّاحلَ العم الطاهر وطَّار، وقصةً نشرها عام 1984م في «الآداب البيروتية»، وكانت تحت عنوان «الزنجية والضّابط»، وكانت سبباً كافياً عند ذوي العقول الضامرة، لفصله من حزب جبهة التحرير الوطني؛
وأتذكَّرُ كيف أن الأقدار، وضعت يومَها بين يديِّ الروائي والأديب وطَّار ديوانَ شعرٍ لـ«فرنسيس كومب»، فكان دافعاً للاستمرار، وللثّباتِ على الحرف؛ وللخروجِ من فكرةِ الانتحار…..!
……، «هُنَا، في غرفتي، على شُرفةٍ سميتُها الوحدة، تجلسُ وردةٌ حولَ كُرسيٍّ فارغ.
لكنْ، مَنْ هذه المرأةُ التي تتحدَّثُ مع نفسها بلسانِ الوردة؟»…..، استعرتُ هذه العبارةَ من «فضاء لغُبار الطّلع» لأدونيس؛ وها أنذا أقولُ مُقارباً، ومحاولاً الدّوران في فلك التّاء الدّالةِ على التأنيث في مفردات: الغرفة، الشرفة، الوحدة، الوردة، والمرأة…..»:
…..، إنها الفِكْرةُ – يا حبيبتي-، وهي بنتُ الفكرِ حَسَبَاً ونَسَباً؛ وهو القُدرةُ العاقلةُ المستوفيةُ شرائطها لإطلاقِ الحُكمِ على الواقعِ توصيفاً وتعريفاً وتحديداً لهُويتهِ الصغيرة في الهُويّةِ الكبرى للكونِ والإنسانِ والحياة!.
…..، الحُبّ – يا حبيبتي – فكرة، الغُرفةُ فكرة،
الشُّرفةُ فكرة،
الوحدةُ فكرة،
الوردةُ فكرة؛
والمرأةُ فكرة…..!.
–
بقلم: مَروان مُحَمَّد الخطيب