وَجَعُ الحُروف…!/من روائع شاعر فلسطين الاديب الكبير الاستاذ مروان محمد الخطيب

كانَ الحرفُ فاتحةَ الأَرض،

سيِّدَ الوعي،

عُرسَ التِّينِ والسَّفرجل،

وبوحَ العاشقينَ السَّابحينَ إلى سِدرةِ المُنتهى؛

وتلكَ الفُسحةَ المُمتدَّةَ بينَ السَّماءِ ونبضِ التُّراب…!.

…، وكانَ كُنهَ المواقيتِ،

أَعطارَ الأَورادِ والسَّوسنِ،

وذيَّاكَ الياسمينَ المُصلِّيَ فوقَ صدرِ دمشق،

وفي عَرينِ قُرطبة الأسيرِ في أصفادِ القُوط،

وبُحَّةَ التُّوت،

حينَ ينتشي من رُضابِ الغيثِ والمُزن؛

وتحليقَ المرايا،

حينَ تنعكسُ على صَفحاتِها هَالةُ بِلقيسَ وحِكمتُها،

صُورةُ رابعة العدويَّة،

وحِواريَّتُها الرَّائعةُ معَ الحَسن البَصريِّ؛

وفاءُ زَنُّوبيا لِعِفَّتِها،

وانتحارُها انتصاراً من أَجلِ الشَّمسِ،

والنَّجمِ الخامسِ والخَمسينَ،

الصَّائمِ عنِ الزَّيفِ والمُراوغةِ،

وعنِ اللَّفِ والدَّورانِ في مداراتِ الفراغِ المقيتِ والقاتل…!.

…، كانَ الحرفُ بدايةَ الفِكر،

وهجَ الشِّعر،

الأَخضرَ المِشفافَ في سيرةِ النَّهر،

المِلْحَ المُحَرَّرَ منَ العِتابِ،

الهاجعَ في فلسفةِ الموجِ والبحر؛

…، وكانَ الرَّغيفَ المُقَمَّرَ في “الخيميائي”،

وفي بحثِ “باولو كويلو”،

عن زمنِ حُبٍّ خالصٍ من الأَدرانِ،

ومن أوحالِ نجازاكي وهيروشيما،

ومُقْبِلٍ على أزرقَ ذائبٍ في صلاةِ السَّعادةِ السَّرمديَّة،

وفي مَحاريبِ الرِّغابِ المُطَهَّرةِ منَ العَفَنِ والموتِ الرَّخيص…!.

…، وكانَ، وكان،

لؤلؤةً ومَرجان،

زَبَرجدةً وكَهرمان،

وشَقائقَ نُعمان،

نابتةً بينَ سُلجوقَ وبُوطان،

ومُغَنِّيَةً لسيرةِ “ممو- زين”،

ولأبجديَّةِ “دلال”،

وهيَ تزرعُ الأَرضَ ماءً وبَخُوراً،

من حيفا إلى حمص،

ومنَ الزَّوراءِ إلى تطوان…!.

***

…، وبكى الحرفُ،

ضمَّ راحتيهِ إلى وجهِه،

وصرخَ في صمتٍ صائتٍ وعجيب:

لماذا تهرسونَ عظامَ الوَصايا،

قُدرةَ العُكبرِ على الشِّفاء،

سِرَّ الوشيجةِ بينَ النَّحلِ والشَّهد؛

جِسْرَ الارتباطِ بينَ الموسيقى والقلب،

وهَمزةَ الوَصلِ بينَ الأُذينِ والبُطَين؟!؛

…؛ ولماذا تتناسونَ مقولةَ سعيد عقل لشارونَ حولَ فلسطين،

وارتحالَهُ المنشودَ من حرفِ الضَّادِ إلى شيفرةِ اللَّاتين؛

…، ونحنُ لمْ ننسَ لحظةً أنَّهُ الشَّاعرُ العِملاقُ في فنِّه،

…،وكيفَ انتقلَ من قِمَّةِ الانتماءِ إلى القوم،

إلى قِمَّةِ الانزواءِ في الآخرِ النَّقيض…؛

وأنَّهُ من أَلهبَ حَنْجرةَ فيروز الذَّهبيَّةَ بِغناءٍ أليقٍ لمكَّةَ والقُدسِ ودمشق؟!.

…، وبكى الحرفُ،

كما لمْ يبكِ إنسانٌ على وجهِ البسيطة،

وقال: لمْ أَكُنْ في الأَرضِ وبينَ النَّاسِ، كي أُسْبَى،

ولمْ أَكنْ من أجلِ تعاسةِ البشرِ والشَّجرِ والحجر؛

…، أنا نشيدُ الصُّعودِ إلى الحقيقةِ الكُبرى،

أَنا زمزمُ الأَمواهِ،

زقزقاتُ العَنادلةِ والحَساسين،

ورُوحُ الرُّوحِ،

في الزَّيتونِ والنَّخيلِ والتِّين،

وأَنا السَّبيلُ المُوصلةُ إلى أعلى عِلِّيين،

والنَّائيةُ بالخَفقِ،

عن أَنساغِ النِّيرانِ في غِسلين؛

وأنا، مَنْ يرسمُ الخَطَّ المُبين،

بينَ الطَّلاسمِ والأَوهامِ،

وبينَ أَعراسِ البنَفسجِ والزَّيزفون…!.

…، أنا الحرفُ،

فاتحةُ البدايةِ في البدايات،

أَعرفُ عبدَ اللهِ بنَ المُقفَّع وبوشكين،

وولعَ أنطون تشيخوفَ بأُمِّه،

وحِكمةَ رابندرانات طاغور،

وأعرفُ جبلَ حيدر وسميحَ القاسم؛

وكيفَ نادى وبكى مُحمَّد مهدي الجواهري فلسطين،

قبلَ ضياعِها بعشرينَ سنة…!؛

…، فلا تُضيِّعوني،

لكيلا تَضيعوا…!.

 

مروان مُحمَّد الخطيب